رغم التعامل مع المقولة الشائعة "اعمل بجد، والعب بجد" باعتبارها أقرب إلى المزاح، فإنها كانت إشارة مهمة إلى أهمية التوازن بين العمل والحياة طوال عقود. ولكن بالنسبة لقسم لا بأس به من القوى العاملة العالمية الآن (15% تقريبا)، تحول ذلك الشعار إلى "اعمل بجد، ثم اعمل بجهد أكبر"، وفق دراسة المكتبة الوطنية للطب التي حللت 53 دراسة أخرى شملت أكثر من 71 ألف عينة من 23 دولة.

أين يقع الخط الفاصل بين العمل بجدية وإدمان العمل؟ الانغماس في العمل بدافع التفاني أو الحماس يعد سمة من سمات الموظف الملتزم وليس علامة على إدمان العمل، والأمر نفسه ينطبق على ساعات العمل الإضافية أو السهر في المكتب خلال فترات الذروة أو المشروعات الكبرى، بحسب عالم السلوك البشري تون تاريس.

العلامات التحذيرية: إدمان العمل يتجلى عندما تسيطر الأفكار والمشاعر والسلوكيات المرتبطة بالعمل على الموظف، حتى تخلق رغبة دائمة بالعمل وتدفعه إلى الانشغال به حتى في أوقات الراحة، بحسب المتخصصة في علم النفسماليساكلارك. كما يعتبر التقلب المزاجي عند الابتعاد عن العمل من الدلائل المهمة على وجود علاقة عمل غير صحية.

يبدو أن أي شخص معرض للسقوط في فخ إدمان العمل، إذ أجرى أخصائي الموارد البشرية جاك هاسل مقابلات مع العديد ممن يصفون أنفسهم بأنهم مدمني عمل، ووجد أن هذه الظاهرة عابرة للتخصصات والمجالات، كما أن "أنماط إدمان العمل تتشابه إلى حد كبير، لكن الطرق المؤدية إليه تختلف".

قد يكون بعض الأشخاص أكثر عرضة للإصابة بهذا الإدمان، مثل المثاليين والاجتماعيين وأصحاب الشخصية التنافسية. ومن المثير للاهتمام أن الدراسات لم تكشف عن ارتباط مباشر بين انعدام الثقة بالنفس وإدمان العمل، أي أن الرغبة في إثبات الذات ليست بالضرورة من مسببات إدمان العمل.

بعض أصحاب العمل والمديرين قد يسعى عمدا إلى تعزيز فكرة إدمان العمل، من خلال خلق بيئة شديدة التنافسية وتحفيز الموظفين على العمل لساعات طويلة حتى يصبح عادة طبيعة، وفق المراجعة السنوية لعلم النفس التنظيمي لعام 2024. كما أن التكنولوجيا الحديثة تسهم في تفاقم المشكلة، إذ تتيح تطبيقات مثل زووم وسلاك التواصل المستمر مع الموظفين، مما يجعل من الصعب فصل العمل عن الحياة الشخصية، ويضع الموظفين في حالة إتاحة طوال الوقت تضطرهم للاستجابة لطلبات العمل خارج الساعات الرسمية لإثبات ولائهم للشركة.

انتقال العمل من المكتب إلى المنزل زاد الطين بلة، إذ اختفت الحدود المادية الفاصلة بين العمل ووقت الراحة. فالمسافة المكانية بين مقر العمل والمنزل تخلق نوعا من الانفصال النفسي يساعد على الاسترخاء والتعافي استعدادا ليوم عمل جديد. أما العمل من المنزل فيجعل من الصعب فصل الدماغ عن الوظيفة، مما يزيد من احتمالية الإدمان ويخلق نوعا من الموظفين المتصلين بوظائفهم على الدوام.

الواقع أن إدمان العمل لا يؤدي إلى زيادة الإنتاجية، فقد أظهرت دراسة كلارك مع مجموعة من الباحثين عام 2016 انتفاء العلاقة بين كثرة ساعات العمل وجودة الأداء الوظيفي، وهو ما أكدته دراستان في عامي 2015 و2020. بل تبين أن الموظفين الذين يعملون لساعات طويلة يحققون نتائج مشابهة لأقرانهم الذين يعملون ساعات أقل.

الأخطر من ذلك أن هذا الإدمان قد يؤدي لنتائج وخيمة، فقد وجد تاريس أن "مدمني العمل ينجزون عملا مضاعفا"، ولكن الحرمان من الراحة يؤدي إلى استنزاف طاقاتهم، مما يزيد احتمالية وقوع أخطاء جسيمة قد لا تقتصر على العمل فحسب، بل تمتد لتلحق الضرر بالمنظمة بأكملها. وقد اتضح أن غالبية الحوادث الخطيرة المرتبطة بالعمل، كالضرر الذي يلحق بالمرضى أو المعدات أو حتى الأفراد أنفسهم، كانت مرتبطة بشكل أكبر بمدمني العمل مقارنة بالموظفين العاديين، وفقا لدراسة أجريت عام 2018.

إدمان العمل ليس مجرد مشكلة وظيفية، بل مرض مزمن يؤثر على الصحة النفسية والجسدية. وجدت كلارك أن 89 دراسة أجريت على مدار ربع قرن أظهرت علاقة طردية بين مستوى إدمان العمل وانخفاض الرضا عن الحياة. كما سجل مدمنو العمل معدلات أعلى من الشكاوى الصحية مقارنة بزملائهم، خاصة أولئك الذين يصفون أنفسهم بعشاق العمل وليس لديهم سجل مرضي بوجه عام.

لا توجد حتى الآن علاجات علمية شاملة لإدمان العمل، لكن هذا لا يعني استحالة التخفيف من الأعراض. فممارسة تمارين التأمل أثبتت فعاليتها في مساعدة مدمني العمل على تخفيف الأعراض التي تؤثر على حياتهم الشخصية، وفق دراسة أجريت عام 2020.