هل ينجح الذكاء الاصطناعي حقا في تحقيق عوائد استثمارية؟ لم يعد المستثمرون متأكدين من إمكانية تحقيق عوائد على استثماراتهم باستخدام الذكاء الاصطناعي، ويبدو أن فقاعة التكنولوجيا الجديدة على وشك الانفجار، حسبما توقع جيمكوفيللو رئيس قطاع أبحاث الأسهم في جولدمان ساكس قبل أسبوعين. وهكذا بدأت الأسواق العالمية تفكر في تساؤل واحد: متى يصبح الذكاء الاصطناعي مربحا لقطاع الاستثمار؟ وهل يحدث هذا أصلا؟
في غضون عام ونصف فقط من إطلاق أوبن أيه أي لأداتها الثورية "تشات جي بي تي"، أنفق مستثمرو وادي السيليكون عشرات المليارات من الدولارات كاستثمارات على هذه التكنولوجيا الحديثة - وهو ما جاء على حساب أكثر من 124 ألف موظف تعرض للتسريح خلال العام الجاري فقط. ورغم أنها لا تزال تعاني للتمييز بين الحقيقة والخيال، لا تتردد الشركات في توظيف برامج الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي بديلا لمحللي الأبحاث والمبرمجين وممثلي خدمة العملاء وغيرها، فضلا عن استخدام الشركات الكبرى لهذه الأدوات لتحل محل الإبداع البشري إلى جانب التلاعب بالصور لخلق محتوى حميمي مزيف.
الأحمر يخيم على أسهم وادي السيليكون: شهدت أسهم شركات التكنولوجيا العملاقة في الولايات المتحدة هبوطا حادا بسبب ارتفاع التوقعات التي قابلتها نتائج أعمال مخيبة للآمال، فقد تراجعت أسهم أمازون بنسبة 8.7% خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، وكذلك تراجعت أسهم إنتل بعد الإعلان عن خطة الحد من الإنفاق الكبير على الذكاء الاصطناعي من خلال خفض 10 مليارات دولار من التكاليف وتسريح عشرات الآلاف من الوظائف. هذا إلى جانب النتائج المحبطة التي شهدها تقرير مكتب إحصاءات العمل الأمريكي، وهو ما أدى إلى تعثر مؤشرات ستاندرد أند بورز 500 وناسداك وراسل 2000 بشكل كبير.
ردود فعل عكسية: توقع بعض المستثمرين أن يخفض عمالقة التكنولوجيا إنفاقهم على الذكاء الاصطناعي، ولكن بدلا من ذلك تتجه تلك المؤسسات لتصدير الضغط إلى شركات الذكاء الاصطناعي التابعة لها، لمعرفة متى يمكن أن تخلق التكنولوجيا قيمة مضافة أكبر تحقق عوائد ملموسة، بدلا من الإذعان للتوقعات وخفض الإنفاق فحسب.
بدلا من تقديم أرقام وبيانات حقيقية تهدأ من مخاوف المستثمرين، اختارت مايكروسوفت وميتا مضاعفة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. أعلنت الشركتان عن خطط لضخ مليارات إضافية في هذا المجال، مع مطالبة المستثمرين والمساهمين بالمزيد من الوقت، الذي قد يصل في بعض الأحيان إلى 15 عاما وأكثر، وفق تقديرات المديرة المالية لمايكروسوفت إيمي هود. في حين منحت سوزان لي، نظيرتها لدى شركة ميتا، توقعا أكثر غموضا يصل إلى "فترة زمنية أطول".
وفاة الدجاجة التي تبيض ذهبا: لطالما كان وادي السيليكون مصدرا موثوقا به لنمو الأرباح على أساس ربع سنوي، ما مثل عامل جذب ورهانا آمنا للمستثمرين. ولكن يبدو أن العائدات المرجوة على استثمارات تتراوح مدتها بين 10 و15 عاما قد غيرت هذا الواقع، ليصبح الاستثمار في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي "استثمار رأس مال مغامر وليس استثمار شركات عامة"، حسبما يقول جيل لوريا المحلل في دي إيه دافيدسون، مضيفا أن التطبيقات الحالية لهذا النوع من التكنولوجيا لا تبرر بأي حال حجم الإنفاق الضخم الموجه إليه. وهو ما أكده كوفيلو أيضا، مشيرا إلى أن "الذكاء الاصطناعي لم يُبتكر لحل مشكلات معقدة تتطلب هذا القدر من الإنفاق".
... والعبرة عند تسلا: لطالما سوقت شركة السيارات الذكية لتقنية القيادة الذاتية الكاملة المدعومة بالذكاء الاصطناعي باعتبارها سمة أساسية لمركباتها منذ عام 2015، وتعهدت بتوفير سيارات ذاتية الحركة بالكامل بحلول المستقبل القريب (على مدار التسع سنوات الماضية). بالطبع لم يتحقق هذا على أرض الواقع أبدا، بل إنه يتناقض مع ادعاءات الرئيس التنفيذي إيلون ماسك، ومخاوف السلامة التي تجلت على هيئة 956 حادثا و29 حالة وفاة خلال السنوات الأربع الماضية.
إلى متى سيتحمل المستثمرون؟ لا يعتقد لوريا أن المستثمرين قادرون على الصبر إلى ما هو أبعد من مطلع العام المقبل، قبل أن يضغطوا على شركات التكنولوجيا العملاقة للتراجع عن استثمارات البنية التحتية والنفقات المبالغ فيها، وذلك حتى يحصلوا على توقعات تطمئنهم وترضيهم بشأن نمو الإيرادات على المدى الطويل.
هناك من هم أقل تشاؤما: بعض الخبراء يدعون المستثمرين إلى منح هذه الشركات فرصة، إذ ترى كلوديا سام صاحبة النظرية الاقتصادية الخاصة بالركود المعروفة باسم " قاعدة سام "، أن الوضع لا ينذر بالخطر لهذه الدرجة. وهناك مؤشرات أخرى مثل دخل الأسرة وإنفاق المستهلكين والاستثمار التجاري لا تزال صامدة، وفق سام. ولكن قد تشير اتجاهات الإنفاق الحديثة التي يقودها رواد وسائل التواصل، وكذلك معنويات المستهلكين المنخفضة التي ستنعكس على شراء المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إلى حدوث عكس ما توقعته سام.