تخيل نفسك في الثمانينات، والمشهد التكنولوجي كما نعرفه اليوم لا يزال في طور التشكل، وكل لحظة تظهر مفاهيم وأفكار جديدة. أجهزة الكمبيوتر مثلا لن تكون حكرا على المكاتب بعد الآن، بل إنها في طريقها لتكون جزءا لا يتجزأ من الحياة المنزلية. تخيل أنك رائد أعمال في وادي السيليكون ولديك شركة تنتج أجهزة الكمبيوتر، وتريد تحويل هذا المنتج من جهاز لا يستخدمه سوى المتخصصون إلى عنصر أساسي وسهل الاستخدام في كل منزل، فماذا تفعل؟
هنا يأتي دور السكويومورفيزم (التشابه الشكلي)، وهو أسلوب لتصميم واجهات أجهزة الكمبيوتر بحيث ترمز إلى شيء واقعي يحاكي وظيفتها. فبدلا من إرباك المستخدمين الجدد بأزرار ووظائف غامضة، يستخدم هذا الأسلوب عناصر مألوفة من العالم الحقيقي، مثل رسم أيقونة الحفظ على شكل القرص المرن أو سلة المهملات على شكل سلة القمامة، وهو ما يسهل على المستخدمين فهم النظام الجديد بطريقة أسرع.
من خلال دمج العناصر الحقيقية المألوفة، نجح أسلوب السكويومورفيزم في تسهيل دخول المستخدمين الجدد إلى عالم الكميبوتر، مستفيدا من معرفتهم بالعالم المادي. كما أسهم أيضا في رفع ثقة المستخدمين بالمنتج، خاصة في ظل تحفظ بعض الفئات تجاه التكنولوجيا الجديدة، إذ أن الإنسان بطبعه عدو ما يجهل ويميل إلى البحث عن المألوف.
هذا الأسلوب ليس غريبا، بل هو أقرب إلى التطور الطبيعي من كونه اختيار مقصودا، لأن تنفيذه سبق صياغة المصطلح نفسه والثورة الرقمية برمتها. أباريق الشاي المصنوعة من المعدن مثلا صُممت في البداية لتشبه نظيرتها الخزفية، رغم أن الاحتفاظ بنفس الشكل أو النمط لم يكن ضروريا في تلك الحالة، ولكن استخدام ذلك الأسلوب أتى لخدمة غرض محدد: أن يفهم المستخدمون وحدهم كيفية استعمال الأباريق. بالطبع أباريق الشاي لا يمكن مقارنتها بأجهزة الكمبيوتر، إلا أن جعل الأداة الجديدة تبدو مألوفة يبعث شعورا بالراحة عند المستخدمين.
ومع تطور الهواتف الذكية وتعدد وظائفها إلى جانب إجراء المكالمات الهاتفية، أصبح من الضروري أن تعكس أشكال التطبيقات هذه الوظائف بصورة مفهومة. وقد كان ستيف جوبز من أبرز الداعمين لهذا الأسلوب في بدايات أبل، وظهر ذلك واضحا في تصميمات نظام أي أو إس الأولى، مثل تطبيق أي بوكس الذي كان يشبه رف الكتب الخشبي، أو أيقونة يوتيوب التي كانت على شكل تلفزيون قديم.
قد لا يكون مفهوم التشابه الشكلي اليوم ثقيلا كما كان عندما جرى تقديمه لأول مرة، ولكن لا يزال بإمكاننا ملاحظة تطبيقاته في أشياء مثل ردود الفعل التلامسية في لوحة المفاتيح لمحاكاة النقرة على اللوحات الفعلية. ونتيجة الاتجاه بعيدا عن تصميم المواد شديدة الواقعية نحو تصميم مواد دقيقة ونظيفة، ولد مفهوم النيومورفيزم (التشابه المحايد).
كان الغرض من النيومورفيزم أن يكون خارجا عن المألوف لكن دون أن يتسبب في عدم الراحة للمستخدم. عمل المصمم البولندي مايكل ماليفيتش على صياغة هذا المفهوم بناء على مفهوم فني لمصمم آخر من أوكرانيا يدعى أولكساندر بليوتو في عام 2019، ووصفه بأنه مزيج من التصميم المسطح والبسيط الذي روج له نظام أي أو إس 7 من أبل عام 2017، مع إضافة عمق مستعار ومحسن من تصميم السكويومورفيزم الكلاسيكي. ويعد النيومورفيزم تصميما قائما على اللمس أكثر من كونه تصميما ماديا.
سرعان ما انتشر هذا التصميم وتبناه عمالقة قطاع التكنولوجيا، إذ أعادت أبل مفهوم العمق من جديد مع تحديث أي أو إس 17، بينما استخدمت سامسونج هذا المفهوم في حملاتها التسويقية. يبدو أن استخدام الخلفيات المحايدة والظلال الناعمة لإنشاء منحنيات سلسة وطبيعية قد أوجد التوازن بين مفهوم السكويومورفيزم الكلاسيكي والتصميمات البسيطة التي اتخذت اتجاها أكثر وضوحا ناحية شاشات اللمس.
رغم التطور التكنولوجي غير المسبوق، ما زال تصميم واجهة وتجربة المستخدم يحتاج إلى الكثير من التطوير. فمفهوم النيومورفيزم صعب التنفيذ من ناحية الباك إند، كما فشل في تحقيق معايير إمكانية الوصول إلى محتوى الويب، خصوصا مع استخدام ألوان وعناصر سيئة وفقا لجميع المقاييس المهنية. هذه التصميمات المتمردة أربكت بعض المستخدمين، وخاصة أولئك الذين يعانون من ضعف البصر أو صعوبة القراءة، نظرا لابتعادها عن عناصر التصميم الكلاسيكية المستقاة من أشياء وموجودات العالم الواقعي. وبسبب عدم وضوح العناصر وعدم وجود أسماء لها، تحولت إلى أشكال مجردة يصعب فهمها، حتى ولو بالحدس.
هل انتهى عصر التشابه الشكلي؟ ليس من المرجح أن يعتمد المصممون على هذا الأسلوب كما كان في السابق، خاصة أن استخدام عناصره في المواقع الإلكترونية أو التطبيقات يولد لدى المستخدمين شعورا بأن التكنولوجيا المستخدمة قديمة أو بطيئة أو غير فعالة. لكن رغم هذا، سيظل السكويومورفيزم دائما بمثابة مرجع للجسر الذي ربط بنجاح بين الأدوات الرقمية وعالمنا المادي.