دولارات الصادرات الزراعية في خضم معركة عض الأصابع: تتوسع مصر خلال السنوات الأخيرة في صادرات الحاصلات الزراعية، التي حققت عائدات قياسية في النصف الأول من العام على خلفية كميات ضخمة تنزح من السوق، لكن، ووفق مُصدرين بالقطاع فإن نسبة كبيرة من عمليات التصدير من مصر تتم من خلال نظام البيع العمولة أو المعروف سابقا بـ "الأمانة"، وهو النظام الذي يشهد انتقادات سلبية كثيرة تُشير إلى أن سلبياته أكثر من إيجابياته بصورة تهدره عائدات اقتصادية عدة على مصر في السنوات الأخيرة.

المحطة الحالية للصادرات الزراعية؟ في السنوات الخمس الأخيرة قفزت صادرات الحاصلات الزراعية بصورة كبيرة ومتسارعة على مستوى الكميات، فسجلت بنهاية العام الماضي نحو 7.4 مليون طن مقابل 6.5 مليون طن في العام السابق له، وذلك من خلال 406 منتجات في نحو 160 دولة، وفق ما قاله مصدر من داخل وزارة الزراعة لإنتربرايز. وأضاف المصدر: "العائدات تقفز بالطبع هي الأخرى، لكن نسبة النمو لا تعكس القيمة العادلة لهذه الكمية الضخمة من البضائع التي تصدر من مصر سنويا، ويعد نظام البيع أو التصدير بالعمولة هو أحد أبرز الأسباب الرئيسة في ذلك".

ما البيع بالعمولة؟ في نظام التصدير بالعمولة، يلجأ المُصدر إلى بيع سلعته في الأسواق الخارجية بالاتفاق مع تجار مستوردين في هذه الأسواق مقابل نسبة يُحصّلها هؤلاء التجار من إجمالي المبيعات يتم الإتفاق عليها بين الطرفين وتختلف من اتفاق لآخر.

ما حجمه وأين بدأ؟ يسيطر نظام البيع بالعمولة على 50% من حجم الصادرات الزراعية سنويا، وفق تقديرات المصدر. وقال إنه ظهر أولا في الأسواق العربية منذ سنوات طويلة، لكنه انتشر مؤخرا في أغلب الأسواق العالمية ومنها أوروبا وروسيا، وتصدر من خلاله كافة السلع الزراعية الطازجة، وليست سلعة محددة، لكنه يؤثر سلبيا على سلع بعينها أكثر من غيرها.

المشكلة: في نظام العمولة، من مصلحة المصدر أن يبيع أكبر كمية ممكنة من سلعة ما في سوق خارجي حتى وإن كان بأسعار أقل من القيمة العادلة، ويساعد في ذلك بقوة فرق صرف العملة في ظل التدهور السريع لقيمة الجنيه المصري الذي سيعوض كل ذلك، هذا بالإضافة إلى أن هذا المصدر لا يزال سيحصل على نسبة الدعم الحكومي للمصدرين، والتي تتراوح بين 6 و12% من إجمالي عائدات التصدير بحسب المحصول. من ناحية أخرى، من مصلحة المستورد (التاجر الدولي) طرح أكبر كمية ممكنة من السلعة في سوقه لتحقيق ميزة تنافسية تمكنه من حرق كميات أكبر بأسعار أقل، وبالتالي سيحصل على عمولة أعلى من المصدر المصري.

ماذا يرى المتخصصون؟

نظام البيع بالعمولة معيب للغاية. "أنت ترسل سلعا إلى سوق ما أكثر مما يحتاج إليها، دون اتفاق على سعر ملزم معين، ثم تباع هذه السلع أو لا تباع بأسعار متفاوتة على أساس العرض والطلب"، حسبما قال مُصدر الحاصلات الزراعية والرئيس الأسبق للمجلس التصديري للحاصلات الزراعية شريف البلتاجي لإنتربرايز.

هناك حاجة إلى المزيد من التنسيق في السوق: لا شك أن أي نظام تصديري إذا تسبب في ارتفاع المعروض من سلعة ما في أحد الأسواق الخارجية سيؤثر سلبا على أسعار هذه السلعة، سواء كان البيع بالعمولة أو البيع القطعي، فمن المفترض أن مصر لديها دراسات لأسواقها الدولية وعلى معرفة باحتياجاتها الموسمية بما لا يضر عائدات التصدير، وفق ما قاله رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين والرئيس الأسبق للمجلس التصديري للمنتجات الزراعية علي عيسى لإنتربرايز.

النظام لا يزال يعمل بشكل جيد - ومع ذلك، لا ينبغي الاستمرار في العمل به في ظل "عدم وجود تنسيق بين المصدرين، ودراسات كافية لاحتياجات الأسواق الدولية"، حسبما قال عيسى.

ومن بين السلبيات المحتملة الأخرى: انخفاض أسعار المنتجات في أسواق الجملة الدولية بسبب البيع بالعمولة يعود بالسلب على الشركات الملتزمة التي تصدر منتجاتها بنظام التعاقدات القطعية، إذ يدفع ذلك عملاء هذه الشركات إلى تقديم طلبات بخفض الأسعار في ظل تكاليف إنتاجية تتفاقم في مصر، خاصة وأن الفارق بين السعرين يصل أحيانا إلى 50% أقل لنفس المنتج، وفقا لما قاله البلتاجي.

لا يعني ذلك التراجع عن خطط زيادة كمية الصادرات الزراعية بقدر ما أن المقصود هو أن السوق المصرية في هذه الحالة يأكل وينافس نفسه وليس الآخرين، وهو ما يأتي في النهاية بالسلب على العائدات الدولارية التي يمكن أن يتم تحصيلها من القطاع، حسبما قال أحد أبرز مُصدري الحاصلات في البلاد.

الحلول: للخروج من الوضع الحالي، وتقنين أوضاع نظام البيع بالعمولة قدم مصدرون مقترحات عدة أبرزها:

  • مراجعة أوراق التصدير والعائدات الموسمية للشركات بناء على الكميات المسجلة بالفعل في قوائم الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، وهي الخطوة التي إذا طبقت ستجبر الشركات على عدم خفض الأسعار لزيادة مبيعاتها.
  • تأسيس لجنة عمل خاصة تقيم السلع وتضع لها حدود دنيا لها.
  • البيع القطعي بديل أفضل: تصدير الحاصلات الزراعية له أنظمة أخرى بخلاف "العمولة" وأشهرها خطابات الاعتماد أو المستندات الاعتمادية تحت إشراف النظام المصرفي، الأكثر أمانا، وهو ما يعرف بالبيع القطعي الذي يتم عن طريق تعاقد رسمي موثق بين الطرفين.
العلامات: