فنجان قهوة مع: عبد الله الدردري (لينكد إن)، الأمين العام المساعد للأمم المتحدة، والمدير المساعد ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية لدى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وصل الدردري إلى مصر في ختام شهر يونيو الماضي في رحلة قصيرة لحضور النسخة الأولى من مؤتمر الاستثمار المصري الأوروبي. التقت إنتربرايز مع الدردري خلال زيارته لمناقشة عمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مصر، وآليات التمويل المبتكرة التي يستفيد منها البرنامج لجذب الاستثمارات الخاصة إلى مشاريع التنمية المستدامة المحلية والعمل المناخي، وتأثير الحربين في غزة والسودان على الاقتصاد المصري، وأكثر من ذلك. وإليكم مقتطفات محررة من الحوار:
إنتربرايز: هل يمكنك أن تحدثنا عن دور برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تنمية مصر؟
الدردري: يتواجد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مصر منذ عقود، وكان دائما شريكا لشعب وحكومة مصر في التنمية البشرية المستدامة.
يتركز عملنا في البلاد على ثلاثة مجالات رئيسية. أولا، البيئة. إننا نشطون للغاية في مجالات تخفيف آثار تغير المناخ والتكيف معه وكذلك الطاقة المتجددة. نتوسع في مجال تمويل المناخ، ونأمل أن يكون ذلك في الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة، حتى نتمكن من توفير التمويل المختلط للمشروعات التي نعمل عليها الخاصة بالتكيف والتخفيف من آثار تغير المناخ هنا.
المجال الثاني هو تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. نعمل مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لتعزيز البنية التحتية العامة الرقمية والقدرة التنافسية للشركات الصغيرة والمتوسطة الرقمية. إننا فخورون للغاية بالشراكة مع مصر في استقطاب الاستثمارات الخارجية في مجال مراكز الاتصالات “الكول سنتر” وغيرها من المجالات التي يمكن أن تخلق فرص عمل للشباب المصري والشركات الناشئة في الفضاء الرقمي. يشمل دعمنا الصناديق المتجددة، وضمانات الائتمان، ومبادرات إزالة المخاطر المصممة لمساعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة على الانطلاق.
المجال الثالث هو الاندماج الاجتماعي وبناء مجتمعات قادرة على الصمود. نعمل على تنمية المناطق المحلية وخطط الحماية الاجتماعية لإنشاء اقتصاد أكثر شمولا يستفيد منه جميع المصريين لأن شعارنا هو “عدم ترك أي أحد يتخلف عن الركب”. هدفنا في الأشهر والسنوات القليلة المقبلة يتمثل في إقامة روابط أقوى بين تلك القطاعات بحيث يكون التأثير أكبر على خلق فرص العمل وسبل العيش هنا في مصر.
إنتربرايز: ما هي آليات التمويل التي يستخدمها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حتى عام 2030؟
الدردري: تواجه المنطقة فجوة تمويلية لمشروعات المناخ بقيمة تريليون دولار حتى عام 2060. وهذه فجوة ضخمة، ولكنها أيضا فرصة استثمارية كبيرة، يكمن معظمها داخل مصر. ولسد هذه الفجوة، يتجه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لتبني نموذج جديد للتمويل المختلط؛ إذ نجمع بين تمويل المنح والأدوات المالية الناشئة – مثل الضمانات الائتمانية، والتأمين، وإدارة المخاطر، والصناديق المتجددة الميسرة، بالإضافة إلى الشراكات بين القطاعين العام والخاص – لحشد استثمارات ضخمة لأولويات المناخ في مصر. ومن خلال تقديم هذه الأدوات، يمكننا جذب استثمارات القطاع الخاص إلى المشروعات التي قد يجدها المستثمرون محفوفة بالمخاطر. لقد أصبح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مؤسسة التمويل المختلط للأمم المتحدة. لا نعتقد أنه ينبغي علينا تقديم المزيد من القروض لمصر؛ ولكن نهدف إلى جذب الاستثمارات.
لدينا مجموعة واسعة من الجهات المانحة في مصر. نعمل بشكل وثيق مع اليابان والاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية بشكل فردي والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، بالإضافة إلى القطاع الخاص. كما نعمل حاليا مع جميع مشغلي شبكات الهاتف المحمول في العالم العربي من أجل مبادرة للبنية التحتية العامة الرقمية العالمية في مصر وفي جميع أنحاء المنطقة. وسوف نعقد قمة عالمية حول البنية التحتية العامة الرقمية في القاهرة في الأسبوع الأول من شهر أكتوبر، لجلب جميع مستثمري القطاع الخاص إلى البلاد. نخطط أيضا لعقد قمة للذكاء الاصطناعي في مصر خلال شهر ديسمبر. وهذه هي الطريقة التي نعمل بها – من خلال الجمع بين كل من الجهات المانحة والقطاع الخاص بالإضافة إلى المبادرات المجتمعية للشركات من أجل دعم التنمية في مصر.
إنتربرايز: هل هناك مشروعات محددة تفخرون بالعمل عليها بشكل خاص؟
الدردري: بالطبع. لقد لعبنا دورا رئيسيا في إطلاق مشروع الطاقة الشمسية بالمتحف المصري الكبير. لدينا الآن ما يقارب 1 ميجاوات من الطاقة الشمسية هناك، ولكن الفكرة هي توفير الـ 10 ميجاوات التي يحتاجها المتحف من الطاقة الشمسية بالكامل. عليك أن تزور المتحف؛ إنه تصميم جمالي حقا.
لقد ساعدنا أيضا في تركيب الألواح الشمسية في المطارات والفنادق والمناطق السياحية الأخرى في جميع أنحاء مصر، ومنها مطاري القاهرة وشرم الشيخ. ونود توسيع عملنا ليشمل المستشفيات والمدارس والجامعات والمؤسسات العامة الأخرى لتعزيز كفاءة قطاع الطاقة في البلاد.
إننا فخورون أيضا بالدعم الذي قدمناه لإنشاء مراكز تسريع الصناعات الإبداعية، والدعم الفني للحكومة في إنشاء هذه المراكز في أنحاء البلاد، والتي توفر لرواد الأعمال والشركات الناشئة من الشباب المصريين التدريب والدعم الذي يحتاجونه لبدء مشاريعهم الرقمية.
إنتربرايز: دعنا نتحدث عن مؤتمر الاستثمار المصري الأوروبي الذي حضرته.
الدردري: أكد المؤتمر أن أوروبا لا تزال تعتقد أن مصر تلعب دورا أساسيا في استقرار المنطقة، مما يبعث إشارة ثقة للمستثمرين بأنه بغض النظر عن الأوقات العصيبة التي تعيشها البلاد، إلا أنهم يمكنهم المجيء والاستثمار بها. أعتقد أن اتفاقية التسهيلات التي وقعها الاتحاد الأوروبي مع مصر بقيمة 5 مليارات يورو هي إشارة قوية للغاية على دعم الاتحاد الأوروبي لمصر في هذه المرحلة. أعلنت بعض أكبر الشركات في العالم عن خطط استثمارية كبيرة، من بينها كيانات في القطاعات الرئيسية في مصر مثل التكنولوجيا والسيارات والأدوية.
إنتربرايز: تعملون على تشجيع مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد، ما هي التحديات التي تواجه مشاركة القطاع الخاص؟
الدردري: هناك عقبة كبيرة في هذه المرحلة تتمثل في ارتفاع أسعار الفائدة. نحن بحاجة إلى الدخول في بيئة أسعار فائدة منخفضة لتحفيز المستثمرين على المشاركة في الاقتصاد الحقيقي.
علاوة على ذلك، فإن تحديد أدوار القطاعين العام والخاص بصورة واضحة أمر ضروري. وإذا تمكنا من توضيح أدوار الدولة، والشركات العامة، والشركات الخاصة، وضمان قدرتها على التنافس على حد سواء ومعاملتها من قبل المحاكم والبنوك أيضا على قدم المساواة، فسنرى تحسنا هائلا في الاستثمارات.
استقرار السياسات عنصرا أساسيا أيضا. أسوأ شيء يمكن أن تقوم به مع مستثمر في القطاع الخاص هو تغيير السياسات وقوانين الضرائب واللوائح الخاصة بالدولة كل يوم. حتى لو كان التغيير للأفضل.
يجب أن أقول أيضا إنه رغم أن مصر تمكنت حتى الآن من البقاء منعزلة عن التأثيرات الأكثر سلبية في المناطق المحيطة بها – في غزة والسودان والبحر الأحمر – إلا أن المناخ السياسي والأمني الإقليمي لا يساعدها على اتخاذ خطوات ذات مخاطرة. لقد تأثر مناخ الاستثمار في المنطقة بأكملها، وليس فقط في مصر، كما تأثر أيضا الاستثمار الخاص، لأن الأمر كله يتعلق بالمخاطرة.
إنتربرايز: والآن لننتقل إلى الحربين في السودان وغزة. كيف ترى تداعيات ذلك على الاقتصاد المصري؟
الدردري: لقد تأثر مناخ الاستثمار في المنطقة كلها، وليس في مصر فقط. لو كنت مستثمرا وأخطط لاستثمار مليار دولار في الشرق الأوسط، لفكرت عدة مرات قبل القيام بذلك. لذا نعم، لقد كان هناك تأثير. ولهذا السبب لدى اعتقاد بأن توقيت انعقاد مؤتمر الاستثمار المصري الأوروبي كان بمثابة إشارة قوية للغاية على الثقة.
التدفق الأخير للاجئين السودانيين يتجاوز الموجات السابقة ويتطلب دعما كبيرا. إننا نخطط لمشروع بهدف تعزيز قدرة المجتمعات المضيفة على الصمود في جميع أنحاء البلاد خاصة في الأماكن التي يعيش فيها اللاجئون السودانيون. ونخطط للاستثمار قريبا جدا في مجالات رئيسية مثل إدارة النفايات الصلبة، والمراكز الصحية، والمدارس، والطاقة الشمسية لتعزيز القدرة على الصمود.
ومن المهم أن نلاحظ أن المهاجرين يساهمون في الاقتصاد المصري. إننا ننسى أن مصر استضافت ملايين الأشخاص عبر التاريخ. نمو الاقتصاد العالمي يتطلب وجود مهاجرين. إنهم يأتون بالمهارات والمدخرات، ويستثمرون تلك الأصول في البلاد. لقد كانت مصر والسودان قريبين جدا تاريخيا، وكان هناك دائما عدد كبير من السودانيين في مصر، يستثمرون ويشترون المنازل، وما إلى ذلك.
إنتربرايز: قلت إن مصر قادرة على تحمل الأثر الاقتصادي للحرب المستمرة في غزة. ما الذي يمنحها هذا الصمود؟
الدردري: مقارنة بأجزاء أخرى من العالم عملت فيها، تعد مصر دولة مؤسسية قوية. ولها تاريخ يمتد إلى سبعة آلاف عام في التكيف مع الصدمات. في بعض الأحيان، ننسى نحن الاقتصاديون ما تستطيع البلاد القيام به وأهمية المحن التي صمدت في وجهها. فهي تضم عددا ضخما من الأفراد الذين يعتبرون من أكثر العمال إنتاجية في العالم عندما يضعون عقولهم في هذا الأمر، إلى جانب موقعها الجغرافي الاستراتيجي ومؤسساتها القوية القادرة على مواجهة التحديات.