وداعا للإعلام التقليدي.. مستقبل التلفزيون في يد المشاهدين: تحافظ منصة يوتيوب على نصيب الأسد من مشاهدات منصات البث، ليس فقط على الهواتف المحمولة وأجهزة اللاب توب، بل أيضا على شاشات التلفزيون. المنصة التي يبلغ عمرها 20 عاما استحوذت على 9.7% من إجمالي مشاهدات التلفزيون في مايو الماضي، وهي أكبر حصة تستحوذ عليها منصة بث على الإطلاق، بما في ذلك نتفليكس وديزني بلس. وهكذا يتحول يوتيوب من مجرد تطبيق على الهاتف أو موقع ويب إلى شكل شرعي من الترفيه له شعبية تتجاوز قنوات البث التقليدية.
لماذا ينجذب الجمهور إلى المحتوى المصنوع بواسطة المستخدمين؟ وجد الخبراء أن مستخدمي الإنترنت الأصغر سنا يستخدمون منصات مثل يوتيوب وتيك توك باعتبارها محركات بحث ومصادر موثوقة للمعلومات بدلا من الوسائط التقليدية. وهذا التحول ناتج عن قلة الثقة في وسائل الإعلام التقليدية، إذ يفضل الشباب الاعتماد على آراء أشخاص لديهم توجهات فكرية مشابهة لتحليل الأحداث التي يطالعونها في الأخبار، بما في ذلك القضايا الاجتماعية والثقافة الشعبية والبرامج الترفيهية، حسبما ينقل تقرير واشنطن بوست عن جاسمين إنبرج أحد كبار محللي وسائل التواصل الاجتماعي في شركة إي ماركتير.
16% من المراهقين يستخدمون يوتيوب "طوال الوقت تقريبا"، و17% يفعلون الشيء نفسه مع تيك توك، وفق ما أظهره استطلاع حديث من مركز بيوللأبحاث شمل نحو 1500 مراهق تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاما. ويعكس هذا الاتجاه تحولا جذريا في سلوكيات استهلاك الترفيه بين الأجيال الأصغر.
كان المعتاد تاريخيا أن الترفيه سلعة ينتجها أشخاص معينون يحترفونها، أما الجمهور فيستهلكها فحسب. لكن ظهور وسائل التواصل الاجتماعي وإتاحتها للجميع أضفى طابعا ديمقراطيا على الترفيه، وبالتالي صار لدى الجمهور منصة تتعامل معهم كمنتجي محتوى محترفين. وقد أثر هذا بشكل خاص على أفراد جيل زد، الذين ترعرعوا في ظل انتشار أدوات التواصل وصاروا يعتبرون صناعة المحتوى جزءا لا يتجزأ من فكرة التعبير عن الذات. في الماضي كان المستخدم الذي ينتج المحتوى هو الاستثناء وبنسبة واحد فقط من كل عشرة، أما الآن فإن 65% من مستخدمي الإنترنت الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و24 عاما يعتبرون أنفسهم صانعي محتوى.
صناع الترفيه كانوا يعتبرون منصات التواصل الاجتماعي أدوات للترويج للمحتوى الذي ينتجونه، إلا أن المحتوى الترفيهي بحد ذاته أضحى وقودا لشعبية منصات التواصل الاجتماعي الآن. مشاهدو خدمات البث الرقمي مثل نتفليكس وديزني بلس صاروا يتجهون إلى منصات مثل يوتيوب وتيك توك لمشاهدة محتوى المستخدمين الآخرين الذي يكمل ما شاهدوه من مسلسلات وأعمال فنية، والذي يتنوع ما بين التحليل والنقد الفني وغيره. "جيل زد يعمل على نقل سلوك الجماهير من مجرد المشاهدة السلبية إلى المشاهدة التفاعلية، التي يعمل فيها كل مشاهد على التعبير عن نفسه ضمن محتوى حواري فريد"، بحسب مدير قطاع الثقافة والتريندات في يوتيوب كيفن ألوكا.
ظهور تيك توك وإتاحة تنفيذ مقاطع فيديو قصيرة خلق حقبة جديدة تماما على الإنترنت، وأصبح إنشاء المحتوى أكثر سهولة من أي وقت مضى. أتاحت المنصة لأولئك الذين كانوا سابقا مجرد مشاهدين عاديين فرصة المشاركة في المحتوى والتفاعل معه عبر مجموعة سهلة من أدوات تحرير مقاطع الفيديو. مميزات مثل الديو والستيتشز تعمل على تعزيز المشاركة من خلال السماح للمستخدمين بالتفاعل مباشرة مع مقاطع فيديو الآخرين، ما يحولهم إلى مشاركين نشطين في الحوار.
في محاولة للحاق بالركب، تحاول منصات يوتيوب وإنستجرام تقديم ميزات مماثلة لتظل قادرة على المنافسة. هذه الميزات تتضمن أدوات تحرير سهلة ومكتبات موسيقية واسعة تجعل إضافة الموسيقى إلى المحتوى المرئي أمرا بسيطا، ما يسمح للمستخدمين بنشر مقاطع فيديو عالية الجودة بأقل جهد. وتعد "يوتيوب شورتس" خير مثال على ذلك، فقد شهدت الخاصية التي أطلقت عام 2021 نموا مذهلا بمحتوى حصد تريليونات المشاهدات.
كيف يؤثر هذا على مستقبل المشاهدة؟ مفهوم سهولة المشاركة لن يؤثر على الإعلام التقليدي فحسب، بل سيؤثر على صناعة الترفيه ويغيرها باستمرار. ومع تحول المزيد من المشاهدين إلى إنشاء المحتوى، قد تصبح عملية جمع المشاهدات أكثر تنافسية، لذا فإن إضفاء الطابع الديمقراطي على إنشاء المحتوى يعني أن الخطوط الفاصلة بين المشاهد والمبدع ستستمر في التلاشي، إلى الحد الذي يصبح فيه منتجو المحتوى أكثر استجابة للجمهور وأكثر استهدافا، مما يسمح للمشاهدين بالتأثير عليهم وتشكيل المحتوى الذي يستهلكونه.