كيف يبدو مشهد السوق العقارية في مصر حاليا من حيث النمو وظروف التسعير أيضا؟ وكيف يمكن لمصر أن تصبح مركزا إقليميا للشركات العالمية؟ وما هي أبرز الفرص لتصدير العقار المصري؟ بحثا عن إجابات لهذه الأسئلة، أجرت إنتربرايز مقابلة مع طارق الجمال (لينكد إن)، وهو خبير عقاري إقليمي يحمل أربعين عاما من الخبرة في مجالات المقاولات، والتطوير العقاري، وصناعات مواد البناء. إليكم مقتطفات محررة من المقابلة:
إنتربرايز: أولا كيف يبدو مشهد السوق العقارية في مصر حاليا؟
طارق الجمال: تعويم الجنيه في مارس الماضي يمثل نقطة فارقة في مسيرة القطاع العقاري محليا، حيث كان التحوط من انخفاض قيمة العملة الحافز الأساسي للطلب على العقار باعتباره مخزن للقيمة، الأمر الذي ظهر جليا في القطاع لا سيما بالنسبة لمنتج العقارات الإدارية وسط طفرة خدمات التعهيد بمختلف المجالات في السوق المصرية مع انخفاض الرواتب وتكلفة المعيشة مقارنة بدول أخرى في المنطقة.
كما أن معدل تنفيذ المشروعات العقارية شهد تراجعا ملحوظا قبل تعويم الجنيه بضغط من قلة المعروض من مواد البناء وارتفاع أسعارها وسط قيود الاستيراد التي أثرت على الإنتاج المحلي من الأسمنت وحديد التسليح، ولكن بعد التعويم بدأت الأمور تعود إلى طبيعتها تدريجيا.
إنتربرايز: لكن، كيف تأثرت ظروف التسعير بتلك المتغيرات؟
طارق الجمال: أسعار المنتجات العقارية من سكني وإداري وتجاري اختلفت بالطبع بعد التعويم وزيادة أسعار الفائدة، لكن مع استقرار سعر صرف الجنيه مقابل الدولار، دون مستويات السوق السوداء، تراجعت أسعار مختلف السلع تدريجيا، ولكن معدل الانخفاض كان محدودا بالنسبة للعقارات، لا سيما في منطقة الساحل الشمالي بسبب ارتفاع الطلب.
أسعار العقارات في مصر وخاصة السكنية منها تنخفض بمعدل 70-80% مقابل الدولار كل 25 عاما، على العكس من مختلف بلدان العالم، بسبب التمدد الحضري. ويختلف ذلك عن العقارات التجارية والإدارية لأن المناطق القديمة تتحول إلى أسواق تجارية للمناطق الجديدة المجاورة لها. والحل لتغيير هذا النمط مرهون بتوفير الخدمات ووسائل النقل الرخيصة.
إنتربرايز: كيف ترى آفاق السوق العقارية وقطاع الإنشاءات بعد تحديد سقف للإنفاق الاستثماري الحكومي؟
طارق الجمال: من المؤكد أن قطاع الإنشاءات والمقاولات سيتأثر سلبا بخفض الاستثمارات الحكومية في المشروعات القومية، ولكن القطاع الخاص سيوفر البديل لتلك الاستثمارات من خلال الاستفادة من التسهيلات الحكومية التي تستهدف جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة عبر طرح مشروعات البنية التحتية بنظام المشاركة مع القطاع الخاص.
إنتربرايز: كيف يمكن لمصر أن تصبح مركزا إقليميا للشركات العالمية؟
طارق الجمال: عامل الوقت يمثل الركيزة الأساسية لتحول مصر إلى مركز إقليمي للشركات العالمية، فإنشاء مشروع رأس الحكمة كمنطقة حرة خدمية خاصة كان الحافز الأساسي لجذب أكبر استثمار أجنبي مباشر في مصر على الإطلاق بقيمة 35 مليار دولار من شركة أيه دي كيو القابضة الإماراتية (صندوق أبو ظبي السيادي). لا يمكن تسويق مشروع مثل رأس الحكمة بنظام البيع على الخريطة، نظرا لضخامته لذلك أطلق بنظام المنطقة الحرة الخدمية الخاصة لجذب الاستثمار.
يمثل التبريد أعلى حمل كهربائي لأي مبنى. لا بد من تحرير أسعار الكهرباء في مصر لتتماشى مع المعدلات العالمية بما يحفز المنافسة في القطاع العقاري محليا وإقليميا. يخفض استخدام الزجاج العازل للحرارة فاتورة استهلاك الكهرباء، فضلا عن زيادة إنتاجية الموظفين.
إنتربرايز: لماذا لم تكتسب الصناديق العقارية المحلية نفس الزخم الذي تشهده في أسواق الخليج؟
طارق الجمال: السوق العالمية تشهد نشاطا لنحو 4 آلاف صندوق عقاري، ولكن في مصر الوضع مختلف، حيث لا تتمتع صناديق الاستثمار العقاري بالإعفاءات الضريبية الكافية، كما تخضع للجان رقابة داخلية وخارجية، مما يحرم السوق العقارية من مكاسب ضخمة، إذ يمكن للمشروع المنفذ من قبل صندوق عقاري تحقيق أرباح مضاعفة مقارنة بمشروع تنفذه شركة بتمويل ذاتي أو بنكي لا سيما وأنها في هذه الحالة ستضطر إلى بيع جزء من المشروع إن لم يكن كله بنظام البيع على الخارطة لتوفير السيولة اللازمة لتنفيذ مراحل المشروع.
إنتربرايز: لماذا يعتمد بعض المستثمرين على مقاولين واستشاريين أجانب لمشروعاتهم في مصر؟
طارق الجمال: نعتمد في ريدكون بروبرتيز على استشاريين عالميين في المشاريع الجديدة، يرجع إلى امتلاكها مكتبات ضخمة من البيانات، ما يوفر لتلك المكاتب العالمية القدرة على ابتكار أكبر قدر من الأفكار لتصميم المباني بما يتوافق مع موقعها الجغرافي وتحقيق أكبر كفاءة سعرية، الأمر الذي لا يتوافر لدى العديد من المكاتب المصرية التي تركز على مجرد التصميم.
إنتربرايز: أين وصلت الشركات المصرية في مسار البناء المستدام؟ وماذا تحتاج للحاق بالركب العالمي؟
طارق الجمال: في ريدكون بروبرتيز نسعى إلى تبني نهج التطوير العمراني الموجه نحو وسائل النقل وهو نمط من التخطيط العمراني يركز على إنشاء مجتمعات سكنية وتجارية وترفيهية متكاملة حول محطات النقل العام، مثل محطات المترو أو الحافلات أو القطارات، والذي يشجع استخدام وسائل النقل العام ويقلل الاعتماد على السيارات، مما يساهم في تقليل الازدحام المروري والتلوث وتعزيز القيمة العقارية في تلك المناطق.
النقل البري أكثر كلفة على أي اقتصاد في العالم، وفي مصر يلتهم نسبة كبيرة من دخول المواطنين، بالرغم من انخفاض نصيبهم من شبكات النقل السككي مقارنة ببلدان أخرى ذات اقتصادات مشابهة. ففي فرنسا على سبيل المثال، يبلغ نصيب الفرد من شبكة القطارات النفقية أو السككية 150 كيلو متر لكل مليون مواطن، بينما في بانكوك 20 كيلومتر أما في القاهرة 7-8 كيلومترات فقط وبقية المحافظات صفر. وقد يساعد الاعتماد على التنقل الذكي مصر في حل مشاكل التوسع الحضري وتعزيز الاستدامة، إذ من المتوقع تسارع النمو السكاني في البلاد خلال السنوات الست المقبلة، مع زيادة التعداد السكاني بنحو 20 مليون نسمة بين عامي 2021 و2030.
وضع البناء الأخضر والمستدام كركيزة أساسية للبناء الحديث في مصر يمثل أحد أهدافي خلال الأعوام الثلاثة المقبلة من خلال عضوية مجلس إدارة الميثاق العالمي للأمم المتحدة - أكبر مبادرة عالمية للشركات في مجال الاستدامة - والتي تضم أكثر من 24 ألف مشارك من 167 دولة.
إنتربرايز: تبذل الحكومة جهودا كبيرة لتنشيط تصدير العقار لزيادة مواردها من العملات الأجنبية، فما أبرز مقومات النجاح التي تراها؟
طارق الجمال: أعتقد أن مبادئ التطوير العمراني الموجه نحو وسائل النقل تعتبر حلا مستداما وفعالا لمعضلات النمو العمراني والتحديات البيئية، بينما تلقى رواجا متزايدا في جميع أنحاء العالم، ومن الممكن أن تكون وسيلة تنشيط صادرات السوق العقارية المحلية. والتوسع في تجهيز المقرات الصالحة لمراكز الاستعانة الخارجية بتطوير الأعمال يمكن أيضا لمصر امتلاك ميزة تنافسية فيه. لكن، مطلوب من الحكومة إتاحة أراضي بمساحات كبيرة لهذه النوعية من المشروعات عالية القيمة والتي تمثل مصدرا للعملة الصعبة.
إنتربرايز: حدثنا عن ريدكون وخطتها للسوق المحلية في قطاع التطوير العقاري؟
طارق الجمال: ريدكون بروبرتيز لم تنته بعد من تطوير مشروع جولدن جيت، مستفيدة من التيسيرات الأخيرة التي سمحت من خلالها الحكومة للمطورين بالاحتفاظ بنسبة 20% من مساحة الأرض المخصصة لأي مشروع كمخزون يتم تطويره بعد إتمام مراحل التنفيذ المتفق عليها، كما بلغت المبيعات التعاقدية بمشروع جولدن جيت 11 مليار جنيه خلال العام الماضي، تتجاوز حصة الأجانب والمصريين العاملين في الخارج 30% منها.
تخطط ريدكون بروبرتيز لتطوير مشروع متعدد الاستخدامات يغلب عليه الطابع السكني ضمن مشروعها الأكبر ويست جيت. كما تستهدف الشركة الحصول على أراض في منطقة الساحل الشمالي لتطويرها.
إنتربرايز: ما حجم تعاقدات ريدكون للتعمير بنهاية 2023؟ والمستهدف لهذا العام؟
طارق الجمال: حجم الأعمال المنفذة من قبل ذراع المقاولات، ريدكون للتعمير، خلال عام 2023 تراوح بين 10-12 مليار جنيه، بينما وصل حجم التعاقدات إلى ما يتراوح بين 30-40 مليار جنيه. نستهدف هذا العام نموا بحجم الأعمال المنفذة يتجاوز الـ 50% وإضافة عقود جديدة بنحو 10-15 مليار جنيه.
إنتربرايز: حدثنا عن خطط ريدكون المستقبلية، بما في ذلك التوسعات الخارجية؟
طارق الجمال: حصلت شركة ريدكون الدولية المحدودة، الشركة المشتركة بين ريدكون بروبرتيز وشركة ريادة القابضة السعودية، بعد أشهر قليلة من التأسيس على جدارة ائتمانية A، بالإضافة إلى تصنيف أول فنى داخل السعودية، ما يؤهلها للمنافسة على أكبر المشروعات المطروحة في المملكة كما يعكس قوة الشركة وملاءتها المالية والفنية. وبالفعل، حصلنا على عقود مقاولات بقيمة 250 مليون ريال من شركة البحر الأحمر الدولية، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، لتنفيذ أعمال لاند سكيب في مشروعي أمالا وتريبل باي. كما تستهدف الشركة حجم أعمال يناهز 2.5 مليار ريال (31.7 مليار جنيه) خلال 2024.
ريدكون للتعمير تخطو نحو الأسواق الخارجية ومناطق إعادة الإعمار بما في ذلك الإمارات والعراق، وتستهدف تأسيس شركة في العراق بحلول أوائل عام 2025.
إنتربرايز: هل تفكر في طرح أي من شركات المجموعة ريدكون للتعمير أو ريدكون بروبرتيز في البورصة المصرية؟
طارق الجمال: بالطبع، أي شركة عقارية تستهدف مواصلة التوسع تضع البورصة نصب أعينها، ولكن المضي قدما في إجراءات طرح ريدكون مرهون بتحسن ظروف السوق.