توسع في كل اتجاه: في سوق عالمية تضغط من أجل نمو لا يتوقف، تتجه الشركات إلى المغامرة خارج المجالات التي تميزت بها. تلجأ تلك الشركات إلى استراتيجيات لتنويع مصادر دخلها عبر الاستحواذ على شركات تعمل في مجالات أخرى أو تقديم منتجات جديدة عليها تماما. ولكن استراتيجيات التنويع تلك قد تكون بداية أيضا للهيمنة على بالسوق.

تعد شركة نينتندو أحد أشهر الأمثلة على التحول الناجح، إذ بدأت أعمالها في عام 1899 بإنتاج ورق اللعب. ولم يكن تطور الشركة إلى عملاق ألعاب الفيديو الذي نعرفه الآن بعد 88 عاما على التأسيس نابعا من فشلها، بل كانت نينتندو شركة ناجحة للغاية في مجال ورق اللعب قبل أن تطلق أول فيديو جيم في عام 1977.

سيدة عالم التنويع: تأسست شركة ياماها قبل عامين فقط من نينتندو، وبدأت مسيرة التطور مع دخولها صناعة الأثاث عام 1903 بفضل فريق عمل من النجارين الأكفاء، الذين كانوا حتى ذلك التاريخ يعملون فقط في صناعة الآلات الموسيقية وأشهرها البيانو. وبعد أن طلبت منها الحكومة إنتاج مراوح الطائرات الخشبية في عام 1921 خلال فترة ما بين الحربين العالميتين، اكتسبت ياماها خبرة في تقنيات الإنتاج مكنتها من البدء في تصنيع الدراجات النارية.

حققت الشركة قفزة من صناعة الدراجات النارية إلى صناعة مركبات التزلج على الثلج، ثم قادها ذلك النجاح إلى تطوير محركات السفن. وهكذا تتابع الدخول في مجالات مختلفة، فتمكنت الشركة قبل هذه الخطوة من صناعة القوارب، واستلزم ذلك بناء المسابح لاختبار القوارب وهلم جرا حتى وصلت الشركة إلى صناعة مكبرات الصوت والميكروفونات والبحث في مجال المعالجة الرقمية للإشارات.

نادرا ما خرجت مثل هذه التوسعات من خطط الشركات في صناعتها الرئيسية. إذ عادة ما تذهب الشركات في عالمنا المعاصرة إلى التوسع في الصناعات التي تعرف مسبقا أنها ستحقق النجاح والربح المطلوب. ولذلك نجد شركة هانيويل لأمن المنازل مثلا تعمل في صناعة أنظمة توجيه الصواريخ، وربما تستغرب إذا عرفت أن الشركة هي التي صنعت نظام الطيار الآلي الذي استخدم لإسقاط القنبلة النووية على هيروشيما. والأمثلة على ذلك التنويع أكبر من أن نحصيها، فلدينا شركة سنجر التي تصنع الآلات الكاتبة وآلات الخياطة وكذلك المسدسات. ولدينا أيضا شركة تكساس إنسترومنتس التي ربما نعرفها بصناعة الآلات الحاسبة، ولكنها تعمل في تصنيع قاذفات الصواريخ وغيرها من الأسلحة الكبيرة للجيش الأمريكي.

ملوك الاستحواذ: ركزت شركات أخرى على عمليات الاستحواذ مع ترك علامتها التجارية الأساسية في صناعتها الرئيسية كما هي. وتنجح هذه الشركات في مغامراتها لتصبح عمالقة في مجال السلع الاستهلاكية بعد الاستحواذ على مجموعة واسعة من العلامات التجارية. وتعتبر شركتا بروكتر أند جامبل ويونيليفر من الأمثلة المهمة على هذا النموذج، لدرجة أننا قد نحتاج إلى تفصيل قوائم العلامات التجارية التي استحوذت عليها في موضوع كامل منفرد.

الأمر لا يقتصر فقط على المنتجات المتعددة، فبعض الشركات الكبيرة مثل جنرال موتورز وفوكس فاجن تمتلك علامات تجارية متعددة بأسعار ومواصفات مختلفة. من ناحية أخرى، تعتبر العديد من العلامات التجارية المنافسة التي نعرفها مملوكة لنفس الشركة. إن وجود منتجات متعددة تستهدف نفس الجمهور يمكن الشركة من الاستفادة في كل الحالات بصرف النظر عن المسار الذي يسلكه المستهلك موهوما بقدرته على الاختيار.

متى يصبح هذا التنوع تلاعبا بالسوق؟ يرى المشرعون أن الأمر مرتبط بالنوايا، فقد تكون نية الشركة هي زيادة حصتها في السوق أو السيطرة على جزء أكبر منه، ولكن قد يؤدي ذلك عادة إلى تضخيم الأسعار بشكل مصطنع، وبما أن المستهلكين يعتمدون على منتجاتهم وليس لديهم خيارات أخرى، فإن الأسعار التنافسية لم تعد مصدر قلق لتلك الشركات.

ولا ينطبق على السلع الاستهلاكية فحسب، بل أيضا على وسائل الإعلام والتكنولوجيا. تواجه عمالقة التكنولوجيا جوجل وميتا وأمازون وأبل دعاوى قضائية مخالفة قوانين مكافحة الاحتكار نتيجة سلوكها الاحتكاري، وذلك بناء على تمييز لجنة التجارة الفيدرالية الذي يفرق بوضوح بين التنويع الصحي وبين ممارسات السوق الخانقة للمنافسة. وقد رفعت لجنة التجارة الفيدرالية دعوى قضائية ضد الشركات الأربع، منها مرتين في قضية جوجل، وذلك لاستخدامها استراتيجيات غير قانونية وغير تنافسية للحفاظ على احتكاراتها.

المسيطرون: تواجه شركة جوجل اتهامات باحتكار عملية البحث على الإنترنت، والاستحواذ على المنافسين من خلال عمليات الدمج المانعة للمنافسة، وإجبار الناشرين والمعلنين على استخدام تكنولوجيا الإعلانات الخاصة بالشركة. بينما رفعت لجنة التجارة الفيدرالية، إلى جانب 17 ولاية أمريكية، دعوى قضائية ضد شركة أمازون بسبب فرض رسوم إضافية على البائعين ووضع أسعار مرتفعة بشكل مصطنع. وكذلك جرت مقاضاة شركة أبل بسبب حظر المنافسة في سوق الخدمات السحابية والرسائل والمحافظ الرقمية، إلى جانب تهم تضخيم الأسعار وتقييد كيفية تفاعل منتجات الطرف الثالث مع منتجات أبل، وذلك بعد تحقيق استمر على مدار عامين وأيدته 16 ولاية. إلى جانب كل ذلك، واجهت ميتا اتهامات قضائية في دعوى رفعتها لجنة التجارة الفيدرالية و40 ولاية، تتهمها فيها باحتكار صناعة وسائل التواصل الاجتماعي من خلال حرمان المستهلكين من منصات غير مرتبطة بالشركة عن طريق شراء تطبيقي إنستجرام وواتس أب.

الخط الفاصل بين النمو الكبير والهيمنة على السوق: ترى لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية أن تلك الشركات الضخمة تسلك مسارا خاطئا، فبدلا من تحسين منتجاتها وخدماتها للحصول على حصة أكبر في السوق وتحقيق تجارب أفضل للمستهلكين، كانت هذه الشركات تعمل على طرد اللاعبين الأصغر ومنع تقدمهم في هذا المجال، وترسيخ احتكاراتها تحت مسمى التنويع. فيما أنكرت جميع الشركات الأربع مزاعم لجنة التجارة الفيدرالية، بل وأضحت تحارب هذه الاتهامات مستشهدة بالنوايا الحسنة والمشروعة لها.

العلامات: