في الماضي كنا نستخدم الهاتف الأرضي إذا أردنا التواصل مع أحد الأشخاص، ولو لم يكن متاحا فهذا يعني عدم إمكانية الوصول إليه. كان المنطقي وقتها أن نترك رسالة مثلا، وكان من الممكن أن يعاود الطرف الآخر الاتصال بنا أو لا يفعل، لم يكن هناك إلزام مجتمعي وكان ذلك واقعا مقبولا. أما اليوم فيمكن إذا تأخرنا في الرد على مكالمة أو رسالة نصية لفترة معينة أن يوضع هذا التصرف في خانة عدم الاحترام، وقد يعرض علاقتنا بالآخرين أو وظائفنا للخطر. هذا الوضع يؤدي إلى وجود ضغط دائم يدفعنا إلى التواصل مع الآخرين بغض النظر عما ننشغل به في لحظة معينة.
هل من الطبيعي أن نجد أنفسنا مضطرين للعيش بهذه الطريقة؟ قبل عقدين فقط، وعلى مدار تاريخ البشرية بالكامل، لم يكن أي إنسان ملزما بالاستجابة للتواصل من الآخرين على مدار 24 ساعة يوميا. ولكن ذلك الكم الهائل من المكالمات والرسائل والتوقعات المرتفعة بأننا سوف نستجيب في الحال، تجعل التواصل مع الآخرين مرهقا وصعبا ويستهلك طاقتنا الاجتماعية، حتى لو كنا بمفردنا بعيدا عن الناس. وقد أثر ذلك على طبيعة التواصل وزادت وتيرته بشكل أثر على مهاراتنا الاجتماعية.
عقولنا وثقافتنا الاجتماعية لم تتطور على نحو يجعل هذا النمط من التواصل ممكنا وطبيعيا. فقبل الهواتف المحمولة، كان الخروج من المنزل يعني أن أحدا لن يمكنه الوصول إليك بشكل واضح، بينما كان أصحاب بعض المهن المضطرين للاستجابة لنداء الواجب والعمل طوال 24 ساعة يستخدمون أجهزة البيجر مثلا. كان التصور المنتشر آنذاك أن توقع الاستجابة الفورية بغض النظر عن مكان وجودك أو ما تفعله يعني أنك تعيش حياة مرهقة، ولكن هذا لم يوقف عجلة التطور التكنولوجي وقدرتها على جعل الجميع متاحين طوال الوقت.
التوازن ضروري: التواصل عبر الإنترنت يوفر شعورا بالدعم الاجتماعي لمن يجدون صعوبة في الحصول عليه على أرض الواقع لأسباب مختلفة، وقد أثبت فعاليته خلال تفشي جائحة "كوفيد-19". لكن كثيرا من الناس لا يحسنون الموازنة بين إيجابيات التواصل الحديث وآثاره السلبية التي قد تشعرنا بالإنهاك والثقل.
ربما يجد بعض الناس في مثل هذه التحليلات التي تربط بين التواصل الحديث والشعور بالإرهاق والضغط نوعا من المبالغة، ولكن من منا لم يغير حالته على وسائل التواصل الاجتماعي إلى أوفلاين كي يتجنب الرد الفوري على الرسائل؟ وكم منا يلجأ لقراءة الرسائل من خلال الإشعارات بدلا من فتحها لتجنب الرد؟
الشخص العادي يقضي 143 دقيقة يوميا في تصفح محتوى وسائل التواصل الاجتماعي، وبفرض أنك تطالع منشورا واحدا فقط في الدقيقة (وهذا ليس حقيقيا بالطبع)، فمعنى هذا أنك تشاهد 143 مشاركة بما تحتويه من نصوص وصور ومقاطع فيديو وأفكار أشخاص مختلفين خلال أقل من ساعتين ونصف.
قدراتك المعرفية في خطر: توصل الخبراء إلى أدلة تفيد بأن التدفق المستمر للإشعارات يقلل من قدرتنا على التركيز والتفكير النقدي. هذه النتائج ليست مفاجئة، بل هي متوقعة وطبيعية لهذا النمط من التواصل المستمر. في كل مرة تمسك فيها هاتفك للنظر إلى إشعار جديد، ستغرق في حالة فضول لمعرفة ما يجري من حولك. وثمة أدلة قوية على أن مجرد وجود الهاتف إلى جوارك حتى في الوضع الصامت، يؤثر على مدى انتباهك.
... ومشاعرك أيضا: يشير العلماء إلى وجود علاقة بين تلقي (أو عدم تلقي) رسائل من جهة معينة والتأثير على عواطفنا. صار كل شيء متاحا على الإنترنت الآن، لذا فإن التوقعات المجتمعية المصاحبة لهذا قد تؤدي إلى حالة من التقلبات العاطفية، مثل القلق والتوتر والخوف من الرفض والغضب والانزعاج. معظم الناس لا يكون بإمكانهم التوصل إلى أسباب موضوعية وراء عدم تلقيهم رسائل أو استمرار التواصل، ولن يتمكنوا من التعبير عن مخاوفهم، بل سينظرون إلى الأمر باعتباره إهانة شخصية.
هذه الحالة تضفي تأثيرا سلبيا على المجتمع بشكل عام، إذ تعمل وسائل التواصل الاجتماعي على توسيع الفجوة بين المستخدمين ذوي الآراء المختلفة. وقد عكف مدير مختبر الاستقطاب بجامعة ديوك الأمريكية كريستوفر بيل، على دراسة تأثير التكنولوجيا على تضخيم الانقسامات الأيديولوجية مع مجموعة من علماء الاجتماع والكمبيوتر والإحصاء. وفي عام 2021، أجروا تجربة على 1200 مواطن أمريكي يستخدمون منصة إكس وينتمون إما إلى الحزب الديمقراطي أو الجمهوري. كان على كل فرد منهم أن يتابع حسابا معينا على المنصة، وهذه الحسابات يديرها العلماء من خلال بوتات دردشة بحيث تقدم محتوى ذا أفكار ديمقراطية للجمهوريين والعكس بالعكس. أراد بيل أن يدرس إمكانية تحول الشخص إلى موقف أكثر اعتدالا من خلال تعريضه لأيديولوجية مختلفة، ولكن النتيجة جاءت عكسية، إذ أصبح كل فريق أكثر تمسكا بأفكاره.
لا تفصحوا عن أفكاركم: يبدو أن البشر يميلون إلى قطع علاقاتهم بأفراد الأسرة أو الأصدقاء أو الجيران عقب معرفة آرائهم عبر الإنترنت، وفق دراسة أجراها مدير مركز معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا للتواصل البناء ديب روي. وبالتالي يبدو أنه لا يمكن بناء مجتمع فعال وأقل عدائية دون الحفاظ على حدود فاصلة تضمن مسافة مريحة نفسيا لكل شخص. وهكذا، بينما كنا نظن أن الاتصال المستمر يجعل الناس أكثر انفتاحا وتعاطفا، تبين أنه يؤدي إلى تآكل رغبتنا وقدرتنا على التواصل الاجتماعي.
ربما لا نجد حلا مناسبا ومستداما لحاجتنا الاجتماعية (والقهرية أحيانا) للتواصل بشكل عام، ولكن دليل إنتربرايز لإنشاء علاقة صحيةمع الأجهزة الإلكترونية يحتوي على أفضل طرق التعامل مع التكنولوجيا، والتي تساعدنا في تكوين علاقة سوية ومفيدة بذلك العالم الرقمي.