هل يبدأ البنك المركزي المصري خفض أسعار الفائدة غدا؟ هذا أمر محتمل، ولكنه غير مرجح، حسبما قال سايمون ويليامز كبير الاقتصاديين في بنك إتش إس بي سي لأوروبا الوسطى والشرقية والشرق الأوسط وأفريقيا، معتبرا أن التخفيض عند هذه المرحلة "سيكون سابق لأوانه... بالنظر إلى الضغط الموضوع لاستعادة موثوقية السياسة النقدية في برنامج صندوق النقد الدولي الموقع في مارس إلى جانب أهمية ترسيخ نظام سعر الصرف الجديد".

بلغ معدل التضخم العام 32.5% الشهر الماضي مقارنة بأبريل 2023، وارتفع بنسبة 1.1% فقط على أساس شهري. التضخم الطفيف على أساس شهري للشهر الثاني على التوالي يمنحنا الطمأنينة بأن العبور من مرحلة تراجع سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية (في السوق الموازية في الأسابيع الأولى من العام ثم سعر الصرف الرسمي في مارس) قد اكتمل الآن وأن توقعات الأسعار بدأت في الاستقرار، حسبما كتب ويليامز في مذكرة بحثية للعملاء. وأضاف: "تشير علامات الاستقرار هذه إلى أن البنك المركزي المصري قد يفكر قريبا في البدء في عكس الزيادات البالغة 800 نقطة أساس التي جرى تطبيقها في الربع الأول من العام. ولكن إذا أريد أن تكون هذه الدورة مختلفة عن سابقيها، فمن الأهمية بمكان ألا يتحركوا مبكرا".

مجتمع الأعمال بحاجة إلى أن يرى انخفاض أسعار الفائدة – وكذلك الحال بالنسبة لخزانة الدولة. فقد أدت أسعار الفائدة المرتفعة إلى تضخم أعباء خدمة الدين الحكومية (التي تمثل حاليا نحو 60% من الإيرادات العامة) وتسببت في توقف اقتراض الشركات بالكامل تقريبا.

التقينا مع ويليامز قبل زيارته للقاهرة هذا الأسبوع للحديث عن تخفيضات أسعار الفائدة، والتساؤلات لدى عملائه حول مصر، وكيف يرى تطورات الأمور. وإليكم مقتطفات محررة من المقابلة:

إنتربرايز - كيف هي أوضاع الاقتصاد المصري الآن من وجهة نظرك؟

ويليامز - لقد تجاوزنا مرحلة الضغط الحاد. ويعكس هذا إلى حد كبير حجم التمويل الثنائي والمتعدد الأطراف الذي تلقته البلاد، ويعكس أيضا تدابير السياسات التي اتخذها المسؤولون المصريون. يمكنك أن ترى هذا التحسن في الأسواق المالية وأيضا في التدفقات المالية. ومع ذلك، فأنا أيضا مدرك تماما أننا ما زلنا في المراحل الأولى من عملية التحول، وأنه يتعين علينا أن نمر بعملية إعادة التوازن قبل أن نتمكن من البدء في الحديث عن التعافي. سيستغرق ذلك بعض الوقت، نظرا للتحديات الهيكلية الكبيرة المتبقية، وخاصة في مجال المالية العامة.

نرى كذلك مؤشرات على استمرارية استقرار الأسعار ويمكننا أن نرى انخفاض التضخم إلى أقل من 20% بحلول الربع الأول من عام 2025. لكن الأمر سيستغرق بعض الوقت حتى يتأصل نظام سعر الصرف الجديد - لكي يشعر كل من الشركات والمستثمرين محليا وخارجيا بالارتياح. لكن من الواضح تماما أن الخطوات الأولية للسياسة النقدية كانت إيجابية، وأن الطريق أصبح ممهدا. لكن هذه عملية طويلة، ونحن لا نزال في البداية.

إنتربرايز- كم من الوقت سيستغرق هذا الأمر؟

ويليامز- سيستغرق الأمر بعض الوقت، بالنظر إلى توقعاتنا، فلدينا نمو سيبدأ في الارتفاع في العام الميلادي المقبل - ولكن قد يحدث ذلك في وقت أبكر قليلا. من المتوقع أيضا أن ينخفض معدل التضخم إلى مستوى منتصف العشرات على أساس سنوي بمجرد ظهور تأثير الأساس في الربع الأول. ولكن لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به لإعادة التوازن إلى الاقتصاد، وإعادة التوازن أمر ضروري لإعادة الثقة في الداخل والخارج. إعادة التوازن للاقتصاد والبيئة الهيكلية الأوسع هي أمر أساسي، فالأمر لا يتعلق فقط بوتيرة النمو التي يمكن أن تحققها مصر، بل بجودة هذا النمو.

إنتربرايز- كيف تشعر حيال نظام سعر الصرف حاليا؟

ويليامز- إنه يتحرك في الاتجاه الصحيح. ويبدو أن الجنيه قد وجد مستواه بين 45 و50 مقابل الدولار. لكننا بحاجة إلى أن نرى أن هذا النظام الجديد يترسخ - نحتاج أن نرى ما يعنيه نظام مرن لسعر الصرف في السياق المصري، وكيف سيستجيب الجنيه في المرة القادمة التي سيتعرض فيها للضغوط.

إنتربرايز- هل أنت قلق من أن نكون قد عدنا مجددا للتعويم المدار؟

ويليامز- لا أعتقد ذلك. ولكننا بحاجة إلى أن نرى كيف ستسير الأمور، والإجابة عن هذا السؤال يراقبها المستثمرون عن كثب داخليا وخارجيا. المستثمرون بحاجة إلى رؤية الجنيه يتحرك صعودا وانخفاضا وأن يعتادوا فكرة أن الجنيه يمكن أن يضعف أو يزداد قوة بمرور الوقت كرد فعل لتطورات الاقتصاد الكلي والتطورات الأخرى.

إنتربرايز- ما الذي تترقبه في الوقت الحالي؟

ويليامز- تحويلات المغتربين، بالتأكيد. فهي أكثر أهمية بالنسبة لسلامة ميزان المدفوعات على المدى الطويل من تدفقات المحافظ الاستثمارية. من الواضح أن الضغط على عائدات قناة السويس سيستمر وأحتاج أن أعرف بشكل أفضل نطاق احتمالات تراجع ميزان الطاقة.

إنتربرايز- لننتقل إلى الحديث حول المالية العامة. لقد تعهدت الحكومة بضم ميزانيات كافة الهيئات الاقتصادية إلى موازنة الحكومةالعامة على مدى خمس سنوات. وهذا أمر مهم – نعتقد أنه يمكن أن يكون هناك المزيد من الإنفاق الحكومي (والمزيد من الإيرادات التي تتدفق إلى خزينة الدولة) مما تعكسه الموازنة في وضعها الحالي. سيكون من المثير للاهتمام معرفة ما سيجري ضمه لتلك الموازنة وما قد تكون الاستثناءات.

ويليامز: هناك جزء أساسي من برنامج صندوق النقد الدولي وهو توحيد المالية العامة في موازنة واحدة، ونحن نتطلع، كأي شخص آخر، إلى رؤية ما ستكون عليه أرقام الموازنة الموحدة.

لكن من الواضح أن الضغط الكبير على المالية العامة يأتي من خدمة الديون. بالمقارنة مع 20 سوقا ناشئة أو نحو ذلك أقوم بتغطية تكلفة خدمة ديونها في جميع أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا أرى أن ديون مصر حاليا مرتفعة بشكل استثنائي. ومن شأن ارتفاع الفائض الأولي وانتعاش النمو أن يؤدي إلى انخفاض الدين، لكن مدفوعات الفائدة الكبيرة هذه ستبطئ وتيرة التحول، وتبقي العجز الرئيسي مرتفعا وتترك مصر عرضة لأي تطورات تعوق إمكانية الحصول على التمويل.

إنتربرايز- إلى أي مدى تتابعون برنامج الطروحات؟

ويليامز: من المتوقع أن نشهد المزيد من مبيعات الأصول خلال الفترة المتبقية من هذا العام وحتى عام 2025. ولكن كان من المفترض أن تكون الطروحات بمثابة أداة لدفع التغيير الهيكلي بدلا من مجرد توليد الإيرادات، وهناك تحول واضح في التركيز نحو السيطرة على الإنفاق الرأسمالي خارج الموازنة. يعجبني حقا هذا التغيير في التركيز، لكن تحقيقه سيكون أمرا شاقا.

استعادة الاستقرار وإعادة الثقة في العملة وتجديد مصداقية السياسة هي متطلبات أساسية لتحقيق التعافي. ولكن هذه الخطوات لابد أن تقترن بتدابير تقنع القطاع الخاص في الداخل والخارج بوجود بيئة جديدة حيث يمكنهم الاستثمار على قدم المساواة مع اللاعبين الآخرين. وإذا بدأنا في تحقيق ذلك بشكل صحيح، فإن الإمكانات واضحة، ليس فقط على مستوى النمو القوي ولكن النمو الذي يولد العملات الأجنبية سواء عبر أرقام أكبر كثيرا لصادرات السلع والخدمات، أو مستويات أقوى من الاستثمار الأجنبي المباشر في كل شيء بدءا من النفط والغاز إلى السياحة والطاقة المتجددة والصناعة.

الخلاصة: لابد أن يحدث هذا في بيئة تتسم بالتوازن الكلي الصحي، حيث نفهم كيفية عمل العملة المحلية، وحيث نفهم كيف تعمل المالية العامة، وحيث نستطيع أن نثق في استقرار الأسعار. ويتيح هذا بيئة يرى فيها رأس المال الخاص مجالا لتحقيق العائدات ويثق في قدرته على المنافسة على قدم المساواة. لقد شهدنا انخفاضا كبيرا في تكوين رأس المال في القطاع الخاص منذ عام 2011.

إنتربرايز- ما رأيك في مبادرات ضبط الأسعار التي بدأها المسؤولون منذ التعويم؟

ويليامز- أعتقد أن السوق هي التي يحدد الأسعار. يمكن أن يكون للضوابط تأثير على المدى القصير، لكن الأمر يتعلق بالسوق، وبالعرض والطلب.

إنتربرايز- لقد تحدثت عن صادرات السلع والخدمات باعتبارها أساسية لتحقيق النمو عالي الجودة. ما هي القطاعات التي تضعها نصب عينك؟

ويليامز: من الواضح أن مصر لديها مجال كبير لفعل المزيد، فهي تتمتع بكل المزايا التنافسية. الموقع الجغرافي، الموارد الطبيعية، الاتفاقيات التجارية. هناك أيضا مزايا جديدة من حيث التكلفة التشغيلية في مصر. وبينما كنت سعيدا جدا برؤية بيانات النشاط السياحي القوية، أعتقد أيضا أن هناك مجالا كبيرا لتوسيع قاعدة التصنيع.

إنتربرايز- في آخر مقابلة لنا سويا، قلت إن هناك اهتمام كبير من قبل عملائك بمصر. إلى أي مدى هذا الاهتمام مستمر؟

ويليامز- من المؤكد أن الاهتمام قوي للغاية. لقد التقيت بالكثير من المستثمرين المؤسسيين في أوروبا وآسيا منذ توقيع اتفاق صندوق النقد الدولي، وقد عدت للتو من قضاء أسبوع في الولايات المتحدة. هناك الكثير من الأسئلة، لكن الثقة في النظرة المستقبلية على المدى القريب جيدة وهناك قناعة بأن العوائد تعوضهم عن المخاطر التي قد يتعرضون لها. لكن الشكوك حول التوقعات على المدى الطويل لا تزال مرتفعة؛ ويرى المستثمرون أن تجربة السنوات الأخيرة تعني أنه يتعين على مصر أن تُظهر أن الأمور قد تغيرت بالفعل. ولن يثق أحد ثقة عمياء.

قد يكون المستثمرون الأجانب أكثر اعتيادا على تقلبات أسعار صرف العملات الأجنبية من الشركات المحلية - إذا كنت تستثمر في تركيا أو جنوب أفريقيا، فأنت معتاد على ذلك. ولكن ما لا يستطيع أي مستثمر أجنبي أن يخاطر في وجوده هو فرض ضوابط على رأس المال.

من الواضح أن هناك الكثير من الحديث في الوقت الحالي حول أسعار الفائدة بين مستثمري المحافظ الذين يستهدفون الديون بالعملة المحلية، لكن المحادثات مع الشركات ومستثمري الأسهم لا تزال في مرحلة مبكرة.

إنتربرايز- ما الذي تتوقع حدوثه بعد ذلك؟

ويليامز: لقد عبرنا مرحلة الإنقاذ، والتي أصبحت ممكنة بفضل الدعم المالي واسع النطاق والتحرك بشأن مشكلات السياسة المالية والنقدية الرئيسية، وخاصة سعر الصرف. لكن تحويل ذلك إلى انتعاش دائم هو أمر أكثر صعوبة من نواح كثيرة، ويتطلب تركيزا طويل المدى على الاختلالات التي جعلت مصر عرضة للخطر في السنوات الأخيرة. ويتعلق هذا جزئيا بمعالجة الاختلالات في الحسابات الخارجية، واستقرار الأسعار، والاستقرار المالي. ولكن الأمر يتعلق أيضا ببناء الثقة في كيفية عمل السياسات وفي إتاحة المجال للقطاع الخاص. سيتطلب الأمر التزاما على مستوى السياسة النقدية، وسيستغرق وقتا.

لكن إذا قمت بالأمر بشكل صحيح، ستصبح مصر واحدة من قصص الأسواق الناشئة الأكثر إقناعا على الإطلاق.