تعتبر التدفقات التجارية التي تربط بين مناطق الخليج وآسيا، على طول ما يسمى بطريق الحرير، قديمة. إلا أن هناك تركيز متجدد اليوم على هذا الارتباط حيث تواجه السفن المحملة بالبضائع من مناطق الشرق الأوسط والمتجهة إلى آسيا الكثير من الاضطرابات والتغييرات على مسارها أثناء مرورها عبر قناة السويس والبحر الأحمر.
كما أن التحركات الدبلوماسية والجيوسياسية المعقدة الكامنة وراء هذه الحقائق تمس الحكومات في جميع أنحاء العالم، الأمر الذي أدى إلى قيام بعض الحكومات بمراجعة استقراءاتها المتفائلة بشأن مستقبل ممر التجارة والاستثمار بين الخليج وآسيا.
ومع ذلك، فإن التوجهات والالتزامات طويلة المدى بشأن إعادة فتح طريق حرير جديد لم تتغير. إذ لا تزال خطط التنويع الطموحة ضمن اقتصادات دول منطقة الخليج كما هي دون أي تغيير، ولسوف تتطلب تعزيز الاتصال بالأسواق ذات النمو المرتفع في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. كما أن الابتعاد عن الوقود الإحفوري (الفحم الهيدروجيني – الهيدروكربونات)، على سبيل المثال، يدفع الحكومات والمستثمرين والشركات على طرفي الممر التجاري إلى الاستثمار – والسعي إلى الاستثمار – في مجالات التكنولوجيا والبنية التحتية الجديدة.
كذلك تسعى الدول الغنية في منطقة دول الخليج بشكل متزايد إلى تنويع الاستثمار بعيدا عن المراكز التقليدية، إذ تتمتع دول جنوب آسيا بقصص نجاح مثيرة مع قاعدة عملائها والقوى العاملة الشابة التي يمكنها توفيرها في المقابل. كما تتمتع المنطقة الآسيوية بإمكانات أفضل لنمو الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بالغرب، حيث تساهم بأكثر من 60% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في عام 2023. ومن المتوقع أن تنمو دول مناطق جنوب شرق آسيا (آسيان) الستة، التي تضم إندونيسيا وماليزيا والفلبين وسنغافورة وتايلاند وفيتنام، بنسبة 4.7% في عام 2024، وهو ما يفوق بكثير النمو المتوقع في العالم المتقدم بنسبة 1.1% في عام 2024. كما تعتبر آسيا أيضا مركزا متناميا في شبكة التوريد للاقتصاد الانتقالي.
وبناء على ذلك، من المتوقع أن يصل حجم التجارة الثنائية بين دول منطقة مجلس التعاون الخليجي وأسواق آسيا الناشئة إلى 578 مليار دولار سنويا بحلول عام 2030، لتتجاوز حجم تبادلاتها التجارية مع الاقتصادات المتقدمة.
وقد تزايد الزخم لاتفاقيات التجارة والاستثمار التي تهدف إلى تسريع هذه التوجهات منذ فترة، إذ قامت إندونيسيا والإمارات العربية المتحدة بتوقيع اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة (CEPA) في عام 2022، والتي تهدف من خلالها إلى زيادة التبادلات التجارية الثنائية من 3 مليارات دولار في عام 2021 إلى 10 مليارات دولار بحلول عام 2027. ومنذ ديسمبر 2021، قامت ماليزيا والمملكة العربية السعودية بتوقيع اتفاقيات تتعلق بـ 18 مشروعا صناعيا، باستثمارات إجمالية بلغت 1.65 مليار دولار، ومن المتوقع أن تؤدي هذه المشاريع إلى خلق نحو 2560 فرصة عمل.
كما تعمل اليابان أيضا على تعزيز علاقاتها مع دول الخليج، حيث قام رئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا بتوقيع اتفاق في السعودية في يوليو 2023 للتعاون في مجال استخراج المعادن الأرضية النادرة والهيدروجين النظيف. ونظرا للعلاقات التجارية القوية التي تربط اليابان برابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، فإن هناك أيضا العديد من الفرص لإقامة شراكات تجمع بين الخبرة ورأس المال الياباني، وخبرة دول الخليج، مع لاعبين محليين بارزين.
ويمكن أن يكون الممر الاقتصادي الذي يربط بين الهند ومنطقة الشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) محركا آخر للنشاط التجاري بين المناطق على المدى الطويل. وبعد ستة أشهر من إعلانها، من المفهوم أن يتحول الاهتمام إلى التحديات اللوجستية والجيوسياسية المحتملة لجعل مثل هذه الخطة الكبرى حقيقة واقعة. ولكن يوجد هناك رأسمال مالي وسياسي جيد وراء المشروع. ولقد خصصت المملكة العربية السعودية مبلغ 20 مليار دولار لتحقيق نجاحها. ووصفها الرئيس الأمريكي جو بايدن بأنها “تغير لقواعد اللعبة”. وفي حال تم تحقيق بعض إمكانات هذه المبادرة – فقد يؤدي ذلك إلى زيادة سرعة التبادلات التجارية عبر الممر التجاري بنسبة 40%، مما قد يدعم تحقيق زيادة كبيرة في النشاط التجاري بين مناطق آسيا والخليج وأوروبا.
ولقد اتخذت صناديق الثروة السيادية في منطقة الخليج أيضا خطوات ملموسة لاغتنام هذه الفرصة. وكان جهاز أبوظبي للاستثمار (ADIA) من المستثمرين الرئيسيين في مجموعة “GoTo” الإندونيسية لخدمات نقل الركاب والتجارة الإلكترونية منذ ما قبل الطرح للاكتتاب العام الأولي لعام 2022. كما قامت شركة “مصدر” للطاقة المتجددة في الإمارة باستثمار استراتيجي في عملية الطرح للاكتتاب العام الأولي لشركة “بيرتامينا” للطاقة الحرارية الأرضية الإندونيسية. كذلك سعت شركة “مبادلة” إلى اغتنام الفرص في نمو التركيبة السكانية الآسيوية من خلال استثمارها في صندوق الطرق السريعة Cube Highways Trust في الهند، ولقد ضاعفت جهودها في المنطقة الآن من خلال الافتتاح الرسمي لمكتبها في بكين. وفي الوقت نفسه، يخطط صندوق الاستثمارات العامة السعودي للبناء على خطوة افتتاح مكتبه في هونغ كونغ في عام 2022 لترسيخ وجود أكبر له في البر الرئيسي للصين.
ويؤدي التعاون المباشر بين صناديق الثروة السيادية في المنطقتين إلى زيادة الفرص لزيادة التدفقات المالية والاستثمارية عبر الممرات التجارية. ولقد خصصت دولة الإمارات العربية المتحدة مبلغ 20 مليار دولار لهيئة الاستثمار الإندونيسية المؤسسة حديثا، بينما يجذب صندوق ماهارليكا الاستثماري المرتقب في الفيليبين انتباه نظرائه الأكثر رسوخا في منطقة الخليج. ويلعب كلا الصندوقين دورا محفزا، في محاولة لجذب الاستثمارات المشتركة إلى بلديهما في مجالات البنية التحتية وغيرها من المجالات الرئيسية. وهذا بحد ذاته يعتبر محاذاة طبيعية بالنسبة للأموال الخليجية: على اعتبار أنها طويلة الأجل، وموثوقة من حيث التوزيع، ومرتكزة على تركيبتها السكانية المشجعة حتى بالمقارنة مع الاقتصادات المحلية المتنامية.
وتتخذ هياكل أخرى، مثل صندوق التعاون بين الشرق الأوسط والصين الذي أنشأته مدينة شنزن وصندوق الاستثمارات العامة السعودي لتحفيز النمو في مرحلة ما بعد الجائحة، أساليب مستهدفة، مع مبادرات مماثلة تشمل مدن أخرى في البر الرئيسي الصيني، وربما صناديق سيادية أخرى. من المتوقع أن تشملها في مراحل لاحقة.
وهذا التوجه بعيد كل البعد عن التحرك باتجاه واحد. إذ تسعى قاعدة المستثمرين الآسيويين المتنامية بشكل متزايد للوصول إلى الفرص في منطقة الخليج. ومن المؤشرات الدالة على ذلك إطلاق أول صندوق استثماري قابل للتداول في آسيا في نوفمبر 2023 لتتبع أداء الأسهم السعودية. ولقد اجتذبت عملية الإدراج في هونغ كونغ أكثر من واحد مليار دولار من الأصول الخاضعة للإدارة عند الإطلاق. كما نعتقد أن الشركات اليابانية ستكون شريكاً مرحباً به للاستثمار في منطقة الخليج، حيث ستجلب معها الخبرات الدولية والخبرة الصناعية.
سيكون الانتقال إلى الحياد الكربوني بمثابة محفز قوي للنشاط التجاري عبر طريق الحرير الجديد. وتسهم مشاريع الطاقة المتجددة الضخمة وتطوير البنية التحتية في جميع أنحاء منطقة الخليج في خلق فرصة للمقاولين المقيمين في آسيا، وتصدير تقنيات خفض الانبعاثات الكربونية. فعلى سبيل المثال، في عام 2022، وقعت شركة أكوا باور السعودية اتفاقيات مع تسعة كيانات صينية، مما مهد الطريق لتمويل واستثمار وبناء مشاريع الطاقة النظيفة والمتجددة العالمية لشركة أكوا.
كما أن الاتفاقيات الدولية التي تركز على التحول ترتبط حتما بارتفاع عدد السكان، والنمو المرتفع، والأسواق ذات الانبعاثات الكربونية الأعلى على طول هذا الممر التجاري. وفي الدورة الثامنة والعشرين لمؤتمر المناخ الذي انعقد في ديسمبر، أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة عن إطلاق المركز العالمي لتمويل المناخ (GCFC) الذي يقع مقره في أبو ظبي، لدعم اللاعبين المحليين والدوليين في إطلاق رأس المال من أجل التحول إلى الحياد الكربوني في الأسواق التي تقع معظمها على طول طريق الحرير. كما شهد مؤتمر المناخ أيضا إطلاق تحالف تعزيز القدرات والإمكانات للاستثمار المستدام (CASI)، الذي ركز على معالجة المعوقات التي تؤثر على الأسواق الناشئة والنامية بشأن الإمكانات التقنية اللازمة للحصول إلى رؤوس الأموال الخاصة والعامة من أجل التحول نحو الحياد الكربونية.
وعندما التقى المندوبون المشاركون في قمة الاستثمار العالمي الافتتاحية التي نظمها بنك HSBC في هونغ كونغ في الثامن من أبريل، قاموا بمناقشة كيفية عمل هذه الأنواع من الشبكات الجديدة على تغيير الاقتصاد العالمي. وقد يكون اتخاذ افتراضات محددة أمرا غير حكيم. لكن الارتباط العميق والمتنامي بين آسيا والخليج، المدعوم بالدبلوماسية النشطة والتعاون والاستثمار، أمر مقنع للغاية، ومن المنطقي للغاية أن نخرجه عن مساره. فهو يشير إلى بداية تحول بين الأجيال سيكون له آثار بعيدة المدى على التجارة الدولية والأعمال والمجتمعات.
بقلم غريغ جويت، الرئيس التنفيذي للخدمات المصرفية والأسواق العالمية لدى مجموعة HSBC. ونشرت هذه المقالة لأول مرة في موقع نيكاي آسيا.