دور القطاع الخاص تحت المجهر: تحدثنا إلى أحمد شمس الدين (لينكد إن)، رئيس قطاع البحوث لدى إي إف جي هيرميس، لمناقشة الدور الذي يلعبه القطاع الخاص في تحويل مسار الاقتصاد المصري، وما يجب فعله لجذب المستثمرين المؤسسيين الأجانب إلى مصر مرة أخرى.
مصر بدأت تتجاوز عثرتها، لكن استدامة المسار مرهونة بكيفية تشكيل الإصلاحات الاقتصادية: الاقتصاد المصري كان يعاني لبعض الوقت، وقد حصل على بعض المسكنات مؤخرا، في شكل سيولة جديدة وضخ استثمارات أجنبية ضخمة مباشرة أعلن عنها خلال الأسابيع الماضية - بما في ذلك 35 مليار دولار من شركة أيه دي كيو القابضة الإماراتية ضمن مشروع تطوير أرض رأس الحكمة، حسبما قال شمس الدين. التحديات الثلاثة الكبرى التي تواجهها البلاد هي التنافسية، والاستثمار، والتجارة. وترتبط العناصر الثلاثة ارتباطا مباشرا بإصلاحات سوق العمل - لقد قمنا بثلاث أو أربع مراحل من الإصلاح منذ عام 1990 وفي كل مرة، نقوم بالجانب النقدي بشكل مثالي، لكننا لا ننجح في مجالات الاقتصاد الحقيقي"، حسبما أضاف شمس الدين، معبرا عن أمله في أن يختلف الوضع هذه المرة.
الحل يكمن في القطاع الخاص. "من دون تعزيز القدرة التنافسية للقطاع الخاص، أخشى أن أي تحسن سنراه في عجزنا المزدوج وميزاننا الخارجي قد لا يكون مستداما"، على حد قول شمس الدين. على المدى القصير، ستكون هذه الدفعة الجديدة من السيولة جيدة جدا للاقتصاد وستتيح مجالا لوضع السياسات السليمة على المدى القصير، لكن استخدامات هذه السيولة تظل غير واضحة، حسبما أشار شمس الدين، موضحا أن كيفية "ضخ هذه الأموال في الاقتصاد لجعل التحسن في القدرة التنافسية مستداما وتجنب عنق زجاجة آخر خلال 3-4 سنوات مقبلة هو العامل الحاسم الذي ينبغي مراقبته".
من المرجح أن يتخذ التضخم مسارا نزوليا خلال الفترة المقبلة، لأن الأسواق كانت تسعر بالفعل وفقا لقيمة أقل للجنيه قبل أن يتخذ البنك المركزي قرار التعويم، بحسب شمس الدين. كانت الأسواق تحدد الأسعار وفقا لسعر صرف 50-55 جنيها للدولار قبل التعويم، بينما لم يتخطى سعر الصرف الرسمي حاجز الـ 50 جنيها في الأسابيع التي تلت ذلك. "يعني هذا أن خفض قيمة الجنيه لن يتسبب في تسارع التضخم، لأن التجار قد رفعوا أسعارهم بالفعل عندما اضطروا إلى الاعتماد على السوق الموازية. التعويم لن يضر المستهلكين"، حسبما قال شمس الدين.
التوقعات والمعنويات تحسنت بشكل كبير في مصر خلال الأسابيع القليلة الماضية، حسبماأشار شمس الدين. "قبل التعويم، كان من المستحيل تسعير أي شيء في السوق، سواء كان منتج أو خدمة. ببساطة جرى تسعير الاقتصاد والأصول بشكل خاطئ، وكانت الأولوية لمعظم الناس هي تأمين العملات الأجنبية. حاليا يوجد سعر ومعيار، وهناك سيولة أجنبية".
عكست أسواق المال خلال الفترة الماضية كل هذه التحديات: الاختلالات الخارجية التي شهدناها أثرت على سوق المال، بالطبع، لأنه كان هناك طابور كبير من المستثمرين المؤسسيين الأجانب ممن لديهم طلبات معلقة أو طلبات تحويل أرباح. لذلك كان هؤلاء المستثمرون مترددين في الاستثمار مرة أخرى في مصر بسبب وجود تراكمات بالفعل. التحدي الثاني على صعيد أسواق المال هو نتاج أزمة العملات الأجنبية والدولار، إذ يبدأ المستثمرون المؤسسيون الأجانب بأسهم مدرة للدولار مثل الأسمدة وجميع القطاعات التصديرية، ومن هناك، هناك تتدفق نحو القصص المحلية مثل العقارات ولاعبي القطاع الاستهلاكي. حاليا بعد أن انخفضت قيمة الجنيه، لم تعد أولوية المستثمرين في أسواق رأس المال التحوط ضد الدولار.
أحد الأسباب الرئيسية لعزوف المستثمرين المؤسسيين الأجانب عن مصر عدم تمثيل القطاعات الاقتصادية في أسواق المال: "القطاع المالي والعقارات يمثلان وحدهما ما بين 60% و65% من القيمة السوقية. مصر تفتقر ببساطة إلى العمق. نحن بحاجة إلى المزيد من الطروحات في قطاعات مثل الرعاية الصحية والتعليم والتكنولوجيا. حاليا، توجد شركتان تعليميتانمدرجتان في البورصة المصرية، وهما شركتان رائعتان بإدارة ممتازة، بينما ينبغي أن يكون لدولة مثل مصر 10 شركات تعليمية مطروحة في السوق".
القدرة التنافسية للقطاع الخاص هي المفتاح الذي سيساعد في تحريك كل هذا. "نحن بحاجة إلى قطاع خاص قائم على الحوكمة مع وجود إطار تنظيمي قوي. إن تعزيز استثمارات القطاع الخاص أمر مهم للغاية بالنسبة لدولة مثل مصر"، بحسب شمس الدين، مضيفا أنه "سعيد للغاية برؤية الإمارات تستثمر في مشروع رأس الحكمة، لكني أريد أن أرى مستثمرين من أوروبا والصين واليابان والولايات المتحدة يستثمرون جميعا في التكنولوجيا والرعاية الصحية والتعليم. لا عيب في المستثمرين الموجودين لدينا حاليا - فالمستثمرون الإقليميون مرحب بهم للغاية، لكن التنويع مهم جدا لمصر".
مصر كانت سوقا رائعة للمستثمرين دائما: "أعتقد أن الإمكانات هائلة - في قطاع الخدمات على وجه التحديد - حيث يمكن لمصر أن تتجاوز كل التوقعات، سواء في مجال السياحة أو الخدمات اللوجستية. إننا نستوفي جميع الشروط اللازمة لمواصلة النمو وتحويل اقتصادنا إلى اقتصاد أكثر ابتكارا وقائم على المعرفة، والذي يأتي مع الخدمات والتكنولوجيا".
نحن في وضع جيد، لكننا نريد أن نثبت للمستثمرين أننا داعمين للسوق، وأننا نعمل على تحسين القدرة التنافسية للاقتصاد، وأننا لن نجابه مشكلات تفوق قدراتنا، وفقا لما قاله شمس الدين.
"مصر تحرز الكثير من التقدم عندما يتعلق الأمر بتعزيز القدرة التنافسية، خاصة في مجالات التكنولوجيا والرقمنة"، وفقا لشمس الدين. "في مجالات الاقتصاد، حيث توجد مخصصات رأسمالية لامركزية، يمكننا تحقيق المعجزات. ولدينا بالفعل مجالات في الاقتصاد ننفذ فيها التحول الرقمي، مثل الخدمات المالية وسلاسل التوريد، وتجارة التجزئة. وهذا يسير بشكل جيد للغاية لأنه لامركزي. فعندما تكون السوق المصرية لامركزية، تؤدي بشكل جيد للغاية".
الأهم من ذلك: تتمتع مصر بالإمكانات اللازمة لإحراز تقدم في التكنولوجيا والرقمنة: "ما عليك سوى إلقاء نظرة على شركات رأس المال المغامر في المنطقة ومدى حرصها على توظيف المواهب المصرية - سوق التوظيف تضاعفت خمس مرات عما كانت عليه قبل خمس سنوات. أعتقد أن مصر قد تشهد نموا كبيرا في مجال التكنولوجيا، لأنه قطاع مبني على الابتكار والمواهب والسوق. لدينا أول اثنين، والآن يتوقف الأمر على السوق. وعندما نشهد سهولة في التدفقات الداخلة والخارجة وتخارج رؤوس الأموال، سيفوق أداؤنا التوقعات".
"من المؤكد أن مصر في منافسة مباشرة على مواهبها مع أسواق مثل السعودية والإمارات، ولكن لدينا زيادة في المعروض"، وفقا لما قاله شمس الدين، مضيفا أنه "إذا تطرقنا إلى رؤية السعودية 2030 أو رؤية الإمارات 2031، فإن كليهما تعتمد بشكل كبير على جلب المواهب من جميع أنحاء العالم، على الرغم من أن لديهما قدرا كبيرا من المعروض من المواهب المحلية". بالنسبة لمصر، "فإن مجموعة المواهب لدينا التي يجري توظيفها من قبل الشركات الخليجية هي شكل من أشكال الصادرات - نحن نصدر المواهب والخدمات عالية المستوى ويمكننا أن نكون مركزا لهذه الأنواع من صادرات الخدمات. إنه مجال نشط - أو على الأقل ينبغي أن تكون كذلك - في مصر"، بحسب شمس الدين.
ماذا يعني ذلك للسوق المحلية: "الأمر برمته يتعلق بتسعير المواهب. هيكل التسعير حاليا رهينة لارتفاع مستوى الطلب في الأسواق المجاورة ونقص المعايير أو النقاط المرجعية"، وفقا لما قاله شمس الدين، متوقعا أن يكون هناك "سعر قائم على السوق للمواهب، وسيساعد مصر في جذب المواهب التي تحتاجها والاحتفاظ بها".