كيف يبدو مشهد الاقتصاد المصري من الخارج؟ليس من منظور مديري الأموال الساخنة، ولكن من بين الشركات الكبرى التي يمكننا الاعتماد عليها في المساعدة على بناء اقتصاد قائم على التصدير على أساس الاستثمار في الاقتصاد الحقيقي؟ بحثا عن إجابات لهذه الأسئلة، أجرت إنتربرايز مقابلة مع طارق النحاس (لينكد إن)، وهو خبير مصرفي وتمويلي إقليمي بنى اسما بارزا في حل المشكلات بإبداع خلال أكثر من 25 عاما لدى سيتي بنك، حيث شغل مؤخرا منصب رئيس الخدمات المصرفية للشركات والاستثمار لمنطقة شمال أفريقيا ومصر والمشرق العربي، وإدارة الفرق عبر ستة بلدان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

منذ يناير 2020، يشغل طارق منصب رئيس مجموعة الخدمات المصرفية الدولية في بنك المشرق، البنك الأسرع نموا في الإمارات. أجرينا معه مقابلتين في وقت سابق: تناولنا القهوة في دبي بعد ساعات قليلة من التعويم، ومرة أخرى قبل يومين عندما بدأت الأجواء في الهدوء قليلا. لقد تطرقنا باستفاضة إلى رحلة الاقتصاد المصري وصولا إلى هذه المرحلة الجديدة، وكيف تبدو البلاد حاليا، وكيف يمكن أن تنطلق من هذه النقطة، وما الذي يعنيه تعويم الجنيه لخطط بنك المشرق في مصر.

أبرز المحاور -

  • كانت أزمة العملات الأجنبية في السنوات القليلة الماضية مشكلة ثقة إلى حد كبير، وهي تتلاشى حاليا؛
  • ينبغي على الشركات المصرية الاستثمار أولا إذا توقعنا أن نشهد وفود استثمارات أجنبية مباشرة كبيرة؛
  • "لا أذهب إلى أي بلد أو أتحدث إلى عميل واحد ليس مهتما بمصر". ثمة اهتمام بمجموعة واسعة من الصناعات.
  • قد تكون شركات الإنشاءات والهندسة وأي شخص يبيعها موادا أو منتجات أو خدمات على أعتاب فرصة تحدث مرة واحدة في العمر عندما تأخذ في الاعتبار كل من مشروع رأس الحكمة وتكليفات إعادة الإعمار المحتملة في أنحاء المنطقة؛
  • المشرق لديه خطط لمصر: لقد اشترت المجموعة مكتبا رئيسيا على أحدث طراز في البلاد. مصر تعد واحدة من ثلاثة مراكز تميز للبنك؛
  • يرى البنك فرصة في خدمات الأفراد وفي خدمة الشركات الصغيرة.

إليكم مقتطفات محررة من المقابلة:

إنتربرايز: بعد مرور أقل من شهر تعويم الجنيه، كيف ترى القرار؟

طارق النحاس:كما أخبرتكم من قبل، كانت هذه مشكلة ثقة أكثر من أي شيء آخر، ونشهد الآن عودة الثقة. لقد رأيت هذه الدورة كل ثماني سنوات أو نحو ذلك - في عام 2008، وإن كان بشكل أقل دراماتيكية. في عام 2016، عندما شاركت في ترتيب بعض هياكل التمويل الحكومية المرتبطة بإبرام اتفاقية مع صندوق النقد الدولي. وحاليا في عام 2024.

هذا ما يحدث عندما يسمح للسوق الموازية بالفرار من سعر الصرف الرسمي. الفارق صغير في البداية، لكنه ينمو - وكما هو الحال، تستمر الأموال التي تتدفق إلى النظام المصرفي في الانخفاض. يجعل هيكل تدفقات العملات الأجنبية في مصر من السهل نسبيا تحويل النقد الأجنبي إلى السوق الموازية: تحويلات العاملين في الخارج وإيرادات السياحة والخدمات تذهب هباء، فجزء كبير من العملات الأجنبية موجود في مصر - لكنه في المنازل وخزائن الشركات، وليس البنوك.

تتأثر الثقة عندما لا تستطيع الشركات الاستيراد من خلال الاعتمادات المستندية وعندما لا يتمكن المستثمرون من تحويل أرباحهم. هذا النقص في الثقة يتصاعد ويتجاوز الحدود في النهاية عندما يتعين على الشركات الحصول على العملات الأجنبية من السوق الموازية للحفاظ استمرارية أعمالها. لا تأتي الاستثمارات الإضافية والنتيجة هي نمو القطاع غير الرسمي الذي لا يخضع للضرائب وتغيب عنه الشفافية.

النقطة الإيجابية: قد تعود الثقة بسرعة كبيرة جدا أيضا، وهذا ما نراه حاليا.

من المحتمل أن نشهد الأمور تعود إلى نصابها على ثلاث مراحل. أولا، المشترون بدافع الخوف [بالدولار الأمريكي] بالأمس هم بائعون بدافع الخوف اليوم. هذه هي الطريقة التي يعملون بها. ثانيا، نرى عودة تجارة الفائدة. المشترون والبائعون المذعورون؟ كانوا انتهازيين. وكذلك تجارة الفائدة.

المرحلة الثالثة أبطأ وأكثر تحديا وأكثر جدوى: تعد هذه مرحلة الاستثمار الحقيقي.

إنتربرايز: إذا، هل هذا وقت الاستثمار الأجنبي المباشر؟

طارق النحاس: لا، لا أريد أن أقصره على الاستثمار الأجنبي المباشر. ينبغي على المستثمرين المحليين الاستثمار أولا قبل أن يأتي الأجانب - إنها مشكلة ثقة، ويريدون أن يشهدوا ثقة الشركات المصرية من آفاق اقتصادهم. ربما يستغرق ذلك وقتا أطول قليلا.

إنتربرايز: إلى أي درجة أنت متفائل الآن؟

طارق النحاس:هل أنا متفائل؟ أنا كذلك. لعدة أسباب، ولم تتغير منذ أن كنت في منتدى إنتربرايز للتمويل [في سبتمبر 2023]: مصر بها لديها تعداد سكاني كبير ومتعلم نسبيًا. قاعدة التكلفة الآن تنافسية. لديها اتفاقيات تجارية كبيرة - أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط. موقع جغرافي رائع للبيع في المناطق الثلاث. العديد من الأساسيات موجودة بالفعل.

ما يتعين على مصر العمل عليه هو سهولة إنشاء وممارسة الأعمال. يجب إعادة النظر في النظام القانوني للنزاعات التجارية، وقوانين التوظيف والإقامة والتنافس العالمي لاجتذاب المواهب (سواء كانت محلية أو مستوردة لسد الفجوات التقنية الأساسية) والمنظومة الضريبية الحالية. لا يمكنك تحقيق النمو من خلال الاستمرار في فرض الضرائب والرسوم على عدد قليل من الشركات أو الموظفين الذين يدفعون الضرائب الآن.

إنتربرايز: ما هي القطاعات التي تفضلها في الوقت الحالي؟

طارق النحاس: لا يتعلق الأمر بالقطاعات بقدر ما يتعلق بفرق الإدارة. هناك بعض الشركات التي استغلت العامين الماضيين بحكمة: فقد تخلصت من الأعباء واحتفظت بمصادر القوة، وبالتالي أصبحت أكثر كفاءة. لقد قامت بتنويع نطاقات منتجاتها وتوسعت جغرافيا من خلال تنمية صادراتها. لذا ستكون تلك الشركات أقوى بكثير بعد ذلك.

إن الأمر الذي تتسم به الأزمات هو أنها تستبعد من هو غير مناسب وتخلق أبطالا أقوى. يجب أن يكون لديك منتج فريد وتنافسي أو أن يكون لديك أموالا ضخمة لتتمكن من تحقيق ذلك. تعمل الأزمات على التخلص من الأشخاص الذين يفتقرون إلى الإبداع - والذين لا يرغبون في بذل العمل الشاق - لتوليد مصادر دخل جديدة. كما أنها تتخلص بشكل عام من يعتمدون على الديون بشكل مفرط مع قاعدة رأسمالية ضعيفة.

ماذا يحدث لأولئك الأبطال؟ إنهم يبحثون عن فرصة على نطاق وبسرعة لم تشهدها مصر من قبل. على سبيل المثال، هناك استثمارات ضخمة قادمة إلى القطاع العقاري في السنوات المقبلة. سيحتاج ذلك إلى مقاولين، وسيتطلب مواد بناء وتشطيب، والسلع الاستهلاكية المعمرة، والمنسوجات، والخدمات بجميع أشكالها.

انظر حولك الآن: إن البلدان مثل السعودية والإمارات تستثمر على نطاق واسع. لدينا مثلا مشروع نيوم وحده: إذا وعندما ينجز المشروع كما هو متوقع، فسوف تتاح للعديد من الشركات الرائدة في مصر فرصة العمر للقيام بالأعمال هناك أيضا.

لا أظن أننا سنتوقف عند رأس الحكمة. هناك مساحة كبيرة من سواحلنا ما تزال دون تنمية، ولم نعد نتحدث اليوم عن مجرد بناء مجمعات سكنية مغلقة صغيرة، وإنما الحديث عن تطوير وجهات بتخطيط شامل. ومصر بحاجة إلى التفكير بطريقة مختلفة الآن.

إنتربرايز: ماذا عن التصنيع؟

طارق النحاس: الأمر ذاته ينطبق على الصناعة، فيجب التخطيط الشامل. ضع خطة استراتيجية وحفز اللاعبين الاستراتيجيين للانضمام وسيتغير كل شيء. ولنأخذ مصنع سيارات رينو في المغرب على ذلك مثالا، انظر إلى تطوير الصناعات المغذية لصناعة السيارات والموانئ والخدمات حول المصنع وعائدات التصدير التي تدرها الآن، وكل هذا خضع للتخطيط.

لا يمكن للارتجال أن يستمر. وإنما يجب أن ننقل ما حدث في رأس الحكمة من تخطيط شامل وطموح كبير وننقله إلى جميع المجالات من التطوير العقاري إلى التصنيع مرورا بالصادرات ذات القيمة المضافة.

الناس مندهشون من 35 مليار دولار لأنه رقم كبير. لكن إذا جذبت السياح وإذا استثمر اللاعبون المحليون وأنتجوا وإذا جذبت الاستثمار الأجنبي المباشر وإذا استهدف قطاع التطوير العقاري المشترين المحليين والأجانب وإذا كنت ذكيا في التصنيع والتصدير وتقديم الخدمات، ستحصل على أضعاف مضاعفة لن تكون 35 مليار دولار رقما بالمقارنة بها.

إنتربرايز: هل نحن مركز لإعادة الإعمار؟

طارق النحاس:بلا شك، وهناك ما يدعم ذلك، بالجوار تحتاج السودان وليبيا وغزة إلى إعادة بناء، فضلا عن سوريا والعراق. ومصر استطاعت تطوير قطاع المقاولات والمعرفة الهندسية والمهارة البشرية التي تعرف كيف تقوم بذلك على أوسع نطاق، وانظر إلى ما بنته مصر في الأعوام الماضية من طرق وكباري وأنفاق وناطحات سحاب وموانئ. أضف إلى هذا عوامل القرب الجغرافي وسهولة الحصول على الأراضي والعمالة التنافسية. لذلك لدى مصر الفرصة لتصبح مركزا للإنشاءات وإعادة الإعمار. وهذا أيضا غيض من فيض إذا أدركنا الأمور بشكل صحيح.

إنتربرايز: هل من السابق لأوانه أن نسألك عن عودة إقبال عملاء بنك المشرق على مصر؟

طارق النحاس: لا أسافر أي بلد ولا أقابل أي عميل إلا ورأيت الاهتمام بمصر. فهي الدولة الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي يأتي ذكرها في كل اجتماع أحضره بسبب حجم السوق الهائلة وإمكاناتها. وأتحدث هنا عن كل القطاعات: السلع الاستهلاكية سريعة الدوران وتجارة التجزئة والعقارات التجارية والسكنية والصناعات الموجهة للتصدير.

ينظر المصنعون إلى الشركات المصرية على أنها جزء من الساحة الإقليمية. انظر إلى ما حدث مع أديس القابضة للتنقيب عن النفط والغاز أو أبو عوف للأغذية. هل هذا بسبب السوق المصرية؟ لا شك أنها جاذبة للاستثمار، لكن السبب الأساسي هو أن هناك مجموعة من المهارات والمعارف يمكنك الاستفادة منها وتوسيع نطاقها في المنطقة كلها.

إنتربرايز: كيف تغيرت رؤية بنك المشرق لمصر بعد التعويم؟

طارق النحاس: لدينا بالفعل إقبال جيد على مصر. ولم يحدث انخفاض مفاجئ في التعرض العام لهذه السوق في مواجهة تحديات الاقتصاد الكلي. نحن نفهم السوق المصرية جيدا، ونؤمن بتقديم الخدمات المصرفية للأفراد ونعلم أن كبار عملائنا نجوا من عواصف عدة في السابق. لذلك واصلنا العمل وقدنا معاملات كانت من الأكبر في السوق خلال الفترة الماضية.

لدينا معرفة بالسوق وقاعدة مناسبة من العملاء من الشركات. ونفكر بالتأكيد في الاستثمار في معاملاتنا المصرفية العالمية ويشمل ذلك منصة لن يسبق لها مثيل عند طرحها بداية عام 2025. [ملاحظة المحرر: المعاملات المصرفية العالمية، تغطي إدارة الأموال والتمويل التجاري وتمويل سلاسل الإمداد].

نتوقع رؤية المزيد من اللاعبين الإقليميين في مصر، لا سيما من عقدوا شراكات مع كبرى الشركات متعددة الجنسية. وما دمنا نقدم حلول المعاملات المصرفية الإقليمية لكبار اللاعبين مثل الفطيم والشايع في دول الخليج، فعلينا تقديمها لهم كذلك في مصر بنفس الكفاءة.

أما من ناحية خدمات الأفراد، يتغير نموذجنا كما حدث في الإمارات. لن نزيد عدد الفروع في مصر، وفي المقابل سنكثف الاهتمام بالخدمات البنكية عبر الإنترنت والموبايل، ولذلك نستثمر بكثافة في منصاتنا الإلكترونية.

هذا هو الجديد في خدمات الأفراد: وهو تعزيز القدرات عبر الإنترنت والشراكات الاستراتيجية، وهو ما يساعدنا في تحقيق أهداف البنك المركزي المصري في الشمول المالي.

نهتم كذلك بالمشروعات الصغيرة والشركات الناشئة، فمنصة نيو بيزنيس الرقمية للخدمات المصرفية لرواد الأعمال والشركات الناشئة (NeoBiz) رائدة في سوق الإمارات مثلها مثل منصة نيو (Neo) للخدمات المصرفية للأفراد. لا نفكر إلا فيما نحتاج تعديله للتوسع في مصر، لأن النموذج أثبت نجاحه بالفعل.

وأخيرا لدينا مراكز التميز، وهي في مصر والهند وباكستان، وحيث تجد أفضل المهارات، فهي ليست نموذجا منخفض التكلفة للمكتب الخلفي، ولكنها محاولة لجذب أفضل المواهب في مناطق مختلفة، لذلك ضمنا عقود العمل من المنزل التي تسمح للنساء اللاتي يحملن مسؤولية رعاية الأطفال أو المسنين بالعمل من أي مكان. وأرى أنه يجب اعتبار قرارنا بشراء مكتب رئيسي جديد بأحدث الإمكانيات في مصر على أنه علامة جديدة على التزامنا العميق والدائم تجاه هذا البلد.