يلعب التمويل العالمي دورا محوريا في تسخير الموارد الطبيعية، والتي تعتبر واحدة من أقوى حلفائنا في مواجهة التغير المناخي، وفي الاعتراف بالموارد الطبيعية باعتبارها من فئات الأصول ذات الأهمية البالغة. وتعتبر قدرة الطبيعة على تعويض تأثيرات التغير المناخي وتعزيز المرونة المجتمعية والاقتصادية والتنوع البيولوجي لا مثيل لها. وتشير الأبحاث إلى أن حماية النظم البيئية واستعادتها وإدارتها بشكل مستدام من خلال الحلول القائمة على الطبيعة (NbS) يمكن أن تمثل ثلث الجهود العالمية المطلوبة لتحقيق أهداف الحياد الكربوني بموجب اتفاقية باريس.
وتوفر مبادرات الحلول القائمة على الطبيعة تأثيرات واسعة النطاق على الاستدامة، مما يفيد البشرية، وكوكب الأرض، والغايات والأرباح المتوقعة. وتعتمد هذه المشاريع نهجا متكاملا نظرا لكون الحفاظ على الموائل الطبيعية يحقق مزايا متعددة تشمل حماية التنوع البيولوجي واحتباس غاز الكربون وتوفير الفرص التنموية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات المحلية. إلا أنه في كثير من الأحيان، تستغرق العائدات المالية الناتجة عن هذه الاستثمارات وقتا طويلا لتحقيقها، إذ تأتي مصادر التمويل في المقام الأول من الأعمال الخيرية صغيرة النطاق أو تكون في غالبها من مصادر تابعة للقطاع العام.
وتشير التقارير الصادرة عن برنامج منظمة الأمم المتحدة للبيئة إلى ضرورة زيادة حجم الاستثمار ليصل إلى 384 مليار دولار سنويا بحلول عام 2025 وإلى 484 مليار دولار سنويا بحلول عام 2030، من المبلغ الحالي البالغ 154 مليار دولار سنويا من أجل تحقيق الأهداف المناخية والتنوع والبيولوجي والتغيرات في الموائل الطبيعية والأراضي الزراعية.
ولهذا يعتبر تحويل التدفقات المالية باتجاه مشاريع حماية المناخ والموارد الطبيعية أمرا ضروريا للحفاظ على مستقبل كوكبنا.
المؤسسات المالية.. حافز للتغيير: تتمتع المؤسسات المالية بمكانة فريدة لتحريك مشاريع الحلول القائمة على الطبيعة من خلال توفير رؤوس الأموال وصياغة أدوات مالية ومنتجات تأمين مبتكرة، بالإضافة إلى تقديم المشورة بشأن إدارة المخاطر وهياكل الأداء. كما أنها تعمل أيضا كوسائل حاسمة لتوحيد أصحاب المصلحة ــ مثل الحكومات والمنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص والهيئات الدولية ــ لتعزيز مشاريع مبادرات الحلول القائمة على الطبيعة. وبينما تقوم الحكومات وبنوك التنمية متعددة الأطراف في الغالب بدعم المبادرات البيئية التي لا تدر أي إيرادات، نرى أن رؤوس الأموال الخاصة تنجذب بشكل أكبر نحو المشاريع المدرة للدخل.
ويتطلب تحقيق أهداف الحياد الكربوني بذل الكثير من الجهود التعاونية المشتركة بين الحكومات والمؤسسات والشركات المالية. وتأتي الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتجسد هذا التعاون، إذ يعمل الدعم الحكومي على تعزيز الثقة بين المستثمرين في القطاع الخاص والكيانات المالية للمشاركة في الاستثمار في مشاريع الحلول القائمة على الطبيعة. ويمكن للحكومات أن تجتذب المزيد من الاستثمارات الخاصة من خلال توفير الحوافز أو الضمانات أو الإعانات. كما تلعب أدوات التمويل المختلط دورا أساسيا في جذب الجهات المالية المتنوعة وزيادة الاستثمارات عبر مجموعة واسعة من الحلول القائمة على الطبيعة.
ومن الممكن أن تعمل أطر السياسات، التي تشارك في وضعها الحكومات والمؤسسات المالية، على إزالة الحواجز التي تعترض الاستثمارات المستدامة. وتدرك السياسات العالمية بشكل متزايد مدى أهمية التمويل والاستثمارات المؤثرة في تحقيق الأهداف المحددة. فعلى سبيل المثال، يهدف المشروع المبتكر لمجموعة عمل أشجار القرم من أجل المناخ، المدعوم من قبل المجتمع المدني والحكومات والقطاع الخاص، إلى توسيع غطاء زراعة أشجار القرم على المستوى العالمي بمقدار 15 مليون هكتار بحلول عام 2030، وهو ما يتطلب تمويلا بقيمة 4 مليارات دولار.
إمكانات التمويل الإسلامي: يتماشى التمويل الإسلامي، بمبادئه الأساسية الأخلاقية والمستدامة، بشكل وثيق مع مبادرات الحلول القائمة على الطبيعة. فمن خلال هيكلة الأدوات المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، يتم فتح طريق جديد لتوفير رأس المال الإسلامي، لتلبية احتياجات المستثمرين الذين يسعون إلى دعم المشاريع البيئية والمستدامة. ولهذا النهج أهمية خاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بالإضافة إلى دول مثل ماليزيا وإندونيسيا، حيث يمكن أن يؤدي إلى تسريع وتيرة تمويل الحلول القائمة على الطبيعة بشكل كبير.
مشروع الحلول القائمة على الطبيعة الرائد في الإمارات: أطلق بنك إتش إس بي سي، بالتعاون مع معهد الموارد العالمية والصندوق العالمي للطبيعة، مشروع “الحلول القائمة على الطبيعة للمناخ والتنوع البيولوجي والبشري” في دولة الإمارات العربية المتحدة. ويهدف هذا المشروع إلى تعزيز مرونة النظم البيئية الساحلية للكربون الأزرق، وبالتالي دعم الحد من آثار المناخ والتنوع البيولوجي والمنافع المجتمعية. ومن خلال التمويل الأولي للمشاريع الرائدة في مجال الحلول القائمة على الطبيعة، يسعى المشروع إلى إثبات الجدوى التجارية، وتحفيز ريادة الأعمال، والحفاظ على رأس المال الطبيعي، وبالتالي جذب المزيد من الاستثمارات.
ولقد لعبت ريادة دولة الإمارات العربية المتحدة في تحديد أهداف صافي الانبعاثات الكربونية، وإطار التمويل المستدام، واستضافتها الأخيرة لمؤتمر منظمة الأمم المتحدة المعني بالتغير المناخي (COP28)، دورا كبيرا في تسليط الضوء على القضايا المناخية في المنطقة، مما أدى إلى زيادة الطلب على حلول التمويل المستدام. ويؤكد التزام بنك إتش إس بي سي بهذه القضية، من خلال الشراكات الإستراتيجية والمشاريع الرائدة، الزخم المتزايد نحو دمج الحلول القائمة على الطبيعة ضمن الاستراتيجيات المالية لتحقيق المرونة المناخية.
بقلم ديفيد راموس، نائب رئيس شؤون الاستدامة لدى إتش إس بي سي الشرق الأوسط.
تعتبر هذه المقالة جزءا من سلسلة أوسع لتعزيز الوعي بشأن الفوائد القوية للحلول القائمة على الطبيعة. فهي تتضمن أصوات القادة البارزين الذين يعملون على تطوير مشروع الحلول القائمة على الطبيعة الرائد في دولة الإمارات العربية المتحدة باعتباره مسارا رئيسيا لاستعادة النظم البيئية الطبيعية وتعزيز المرونة المناخية.
** يجري تمويل مشروع “الحلول القائمة على الطبيعة من أجل المناخ والتنوع البيولوجي والبشري“ من قبل بنك HSBC وينفذ بالشراكة بين وزارة التغير المناخي والبيئة (MOCCAE)، ووزارة الاقتصاد، وهيئة البيئة في أبو ظبي (هيئة البيئة – أبوظبي)، وحكومة أم القيوين، وجمعية الإمارات للطبيعة، والمركز الدولي للزراعة الملحية (إكبا).