ألقى محمود محيي الدين المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة المعني بتمويل خطة عام 2030 للتنمية المستدامة والمدير التنفيذي لدى صندوق النقد الدولي كلمة في اليوم الأول للمؤتمر السنوي للمجموعة المالية هيرميس One on One والمنعقد في دبي، طرح فيها توقعاته للاقتصاد الكلي بشأن الاقتصادات العالمية والإقليمية خلال السنوات المقبلة. ويستمر المؤتمر، الذي يضم نحو 670 مستثمرا و250 مؤسسة عالمية وبمشاركة كبار المسؤولين التنفيذيين من أكثر من 215 شركة من 29 دولة، حتى يوم غد الخميس.

“مركز الثقل الاقتصادي يتحول نحو الشرق”، حسبما قال محيي الدين أمام الحضور، مشيرا إلى دول كالصين والهند وفيتنام والفلبين. وأضاف أن الأمر متروك للأسواق الناشئة والبلدان في الشرق الأوسط – التي تتمتع بموقع استراتيجي يمكنها من الاستفادة من هذا التحول – لتحقيق أقصى استفادة. وأضاف أن التعاون الإقليمي مهم في الاقتصاد العالمي الآخذ في التجزؤ على نحو متزايد والذي نعيش فيه حاليا، مضيفا أن “تحسين العلاقات التجارية والاستثمار الأجنبي المباشر في المنطقة” سيسمح لهذه الأسواق بالنمو دون قيود.

إن اجتياز بيئة تجارية مقيدة ومجزأة هو المعركة الشاقة التي يتعين على الأسواق الناشئة أن تأخذها في الاعتبار خلال العامين المقبلين، وفقا لمحيي الدين. وقال: “إنها حقيقة محزنة أنه في العام الماضي، كان هناك 3 آلاف من القيود التجارية بزيادة ثلاثة أضعاف مما كانت عليه في عام 2019″، مضيفا: “جميع الأسواق الناشئة تعتمد على اقتصاد معولم مع التدفقات التجارية والاستثمار الأجنبي المباشر وتبادل المعرفة – ولم يعد هذا هو الحال بعد الآن”.

نحن لسنا على المسار الصحيح لتحقيق أي من أهداف التنمية المستدامة: قال محيي الدين إنه، من بين الأهداف الـ 17، نحن نسير على الطريق الصحيح لتحقيق 15% فقط، ونحن ننحرف إما قليلا أو بشكل كبير عن 50% من الأهداف.

بالنسبة لمصر، فإن النظرة طويلة المدى لها أهمية قصوى. يرى محيي الدين أن لتحقيق نمو حقيقي مستدام يمكن أن يساعدنا في تحقيق أهدافنا الرئيسية كأن نشهد القضاء على الفقر المدقع، نحتاج إلى الحفاظ على نمو لا يقل عن 7% على مدى عقدين من الزمن. وأضاف أنه يتعين أن يكون النمو شاملا ويرتكز على الاستثمار المستمر، الأمر الذي يوفر المزيد من الفرص. وبينما سيجري التعامل مع العقبات الاقتصادية المباشرة التي تواجهها مصر “قريبا”، فإن النظرة طويلة الأجل “يجب أن تتعلق بسياسات تتجاوز الصفقات. ما آمل أن أراه هو سياسة كاملة تستهدف التضخم، بحيث تكون السياسة النقدية مجرد أداة واحدة من بين العديد من الأدوات. وتابع: “من الخطأ أن يكون سعر الصرف هو محور السياسة الاقتصادية”، ولا بد من تحويله إلى استهداف التضخم.

وبالنسبة لدول الخليج، يعد توسيع القطاع غير النفطي أمرا بالغ الأهمية. “هناك محاولات جيدة للتنويع، والعنصر المهم هو كيفية التنويع بشكل أفضل، بحسب محيي الدين. وأضاف: “يتمتع البعض بالقدرة على القيام بذلك وقد تنوعوا في الخدمات والتكنولوجيا المتقدمة والاستثمارات في الداخل والخارج، [و] لدى البعض خطط بنية تحتية طموحة كبيرة، مثل المملكة العربية السعودية، كما يستفيدون من الكفاءات المتعلمة جيدا من السكان الشباب”، مشيرا إلى دولة الإمارات كمثال بارز.

ويتعين كذلك على الأسواق الناشئة الحد من الاستدانة: “لن نشهد أزمة ديون عالمية كتلك التي شهدناها في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات. هذا النوع من الديون اليوم والتعرض المحدود للمؤسسات المالية لن يجعل الأمر بمثابة أزمة عالمية”. “[لكن] سنشهد أزمة تنمية. سنرى حرائق متفرقة في أماكن مختلفة”، وفقا لمحيي الدين. وأشار إلى أن “العديد من البلدان اليوم في أفريقيا وجنوب آسيا تدفع في سداد خدمة ديونها أكثر مما تدفعه على التعليم والصحة”، مضيفا أن ارتفاع تكلفة الاقتراض – إلى جانب تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الضعيفة وعدم كفاية المدخرات المحلية – تعرقل الاستثمارات والنمو في الأسواق الناشئة.

الأمر الذي يتضمن إنشاء آلية حل مشتركة: “إذا كنت تعاني من مشكلة الديون وكنت في اقتصاد لا توجد فيه آثار غير مباشرة كبيرة على بقية العالم، فأنت وحدك مع دعم قليل للغاية من النظام المالي العالمي”، وفقا لما قاله محيي الدين، مضيفا أن العديد من البلدان في أفريقيا وجنوب آسيا تدفع في سداد خدمة الديون أكثر مما تدفعه على الخدمات الأساسية كالتعليم والرعاية الصحية. وتابع: “إن العالم في الوقت الحالي ليس لديه آلية حل جيدة؛ إنه بطيء جدا ولا يعمل”.

الأمور قد تأخذ منحى آخر عندما تنخفض أسعار الفائدة: قال محيي الدين إن التخفيضات المتوقعة في أسعار الفائدة من مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ستكون بمثابة “أخبار جيدة” لتدفقات رأس المال والاختراق المحتمل في أسواق رأس المال الناشئة.

لكن لا يزال يتعين علينا القيام بالمزيد: “نحن بحاجة إلى التعلم من أخطاء الماضي وتجنب الإفراط في الاقتراض” بحسب محيي الدين، مضيفا أننا بحاجة إلى المزيد من التمويل القائم على توسيع الملكية، وبحاجة أيضا إلى تطوير بيئة أعمال مشجعة، والتأكد من التنسيق الجيد بين السياستين المالية والنقدية، مع استغلال إمكانات التحول الأخضر والبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي.

كما يتعين علينا أن نضع في اعتبارنا تأثيرات القوانين في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على الجزء الخاص بنا من العالم، حسبما قال محيي الدين، في إشارة إلى قانون خفض التضخم الأمريكي – الذي يتضمن تقديم إعانات في شكل إعفاءات ضريبية لمشاريع الطاقة المتجددة – وآلية تعديل حدود الكربون بالاتحاد الأوروبي، التي تفرض ضرائب على واردات بعض المنتجات في محاولة للحد من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري.