تعتبر التأثيرات الجيوسياسية على سلاسل التوريد، وسرعة التغيرات التي طرأت على حركة التدفقات التجارية والاستثمارية على مدى العامين الماضيين، موضوعات مهمة سيجري مناقشتها مع كثير من التركيز خلال الاجتماع الوزاري لمنظمة التجارة العالمية الذي سيعقد في أبو ظبي هذا الأسبوع.
ففي حين أن التحديات التي تواجهها حركة الشحن الناجمة عن التوترات الحالية في منطقة البحر الأحمر وحالة الجفاف التي تعرضت لها قناة بنما تجعل الظروف التجارية أكثر صعوبة على المدى القريب، الأمر الذي يستدعي الشركات أيضا لأن تكون على استعداد لمواجهة المزيد من التحولات الأساسية على قدم وساق.
وتعتبر هذه التحولات التي تقودها رقمنة العمليات الرئيسية، محورا استراتيجيا لإنشاء سلاسل توريد أكثر مرونة واستدامة، ولظهور نماذج أعمال جديدة. الأمر الذي يشكل تحديات وفرص للشركات على حد سواء.
كذلك الحال بالنسبة لطبيعة ما يجري شراؤه وبيعه، وكيفية تداوله، فهي تتغير أيضا. ولسوف تستمر سفن الشحن في الإبحار في المستقبل، وهي محملة بالسلع التي جرى طلبها عبر منصات التجارة الإلكترونية في قارة ما، من قبل عملاء في قارة أخرى. ولكن سيكون هناك أيضا تحول نسبي كبير نحو التجارة في مجال الخدمات. إذ تقدر قيمة التجارة العالمية بنحو 32 تريليون دولار ، ويتمثل خمس هذه العمليات التجارية في مجال الخدمات. ومن المتوقع، على مدى العقد المقبل، أن تمثل الخدمات حصة كبيرة من جميع معاملات التجارة الدولية الجديدة، مع كون الجزء الأكبر منها في مجال الخدمات المقدمة رقميا.
هذا وستواجه الوفود المشاركة في اجتماعات منظمة التجارة العالمية تحديا يتمثل في معرفة من أين سيبدؤون، ومما لا شك فيه أننا سنشهد تطورات مفيدة، حيث سيكون لزاما على الشركات نفسها، كما هو الحال دائما، أن تواكب هذه التحديات المعقدة بكل خفة وانتباه وحذر.
أولا، يتعين على الشركات فهم كيفية تطور أسواقها والأسواق ذات الصلة بها. ومن أجل تحسين المرونة، تبحث الكثير من الشركات بالفعل عن موردين جدد أقرب إلى مقرات عملياتها الأساسية ــ ما يسمى بالدعم القريب. بينما تقوم شركات أخرى بإنشاء شبكات توريد جديدة تماما ضمن قطاعات الصناعات الناشئة حيث تبحث عن الأدوات اللازمة للانتقال إلى الحياد الكربوني. وتواجه شركات الطيران، على سبيل المثال، منحنيات حادة في مجال الخبرة في تحديد المنتجين الواعدين لوقود الطيران المستدام والعمل معهم.
ثانيا، من الممكن أن يؤدي إنشاء البنية التحتية المالية المناسبة إلى إنشاء شركات مرنة بلا حدود وقادرة على الاستجابة للتغيرات بسرعة. وسيكون استغلال تطبيقات الدفع البسيطة وتتبع المعاملات التجارية الخارجية، والاستثمار في الشراكات والمنصات لتسهيل التعاون العالمي عبر المنصات الحقيقية والافتراضية، أمرا أساسيا.
ويتمتع HSBC بوضع جيد لأننا غالبا ما يكون لنا حضور على طرفي التعاملات التجارية، مما يوفر لنا رؤى فريدة حول احتياجات المشترين والبائعين، بالإضافة إلى تلبية احتياجات قطاعات الأعمال بشكل أوسع. ومن خلال قيام البنك بتكثيف استثماراته في تعزيز مهارات الأشخاص من ذوي الخبرة وتطوير العمليات، فإننا بذلك نتقدم للإمام في مجال تحويل عمليات تمويل التجارة إلى المنصات الآلية والرقمية.
وبالنسبة لأولئك الذين يرغبون في التكيف والابتكار والتعاون، فإن النتائج الإيجابية المحتملة كبيرة. ويكمن الأساس في اتباع نهج استراتيجي واستباقي. وسيشمل ذلك تقبل التعقيدات، والاستفادة من الأدوات والمنصات التقنية، والبناء على نقاط القوة في تعزيز الترابط العالمي والحوكمة الرشيدة.
بقلم فيفيك راماشاندران، رئيس قسم خدمات تمويل التجارة العالمية والذمم المالية في إتش إس بي سي.