هل شعرت يوما أنك حبيس هاتفك، بدلا من أن يكون نافذتك على العالم؟ اطمئن، لست وحدك. معظمنا يتركون هذه الأجسام الحديدية تصحبنا إلى دهاليز عالم لا ينتهي، حيث نفقد صلتنا بالزمن ونحرق ساعات في مطالعة مقالات ومنشورات ومقاطع فيديو متنوعة، بدلا من إنجاز المهام المتراكمة أو قراءة بعض الكتب التي تركنا الغبار يتراكم عليها في مكتباتنا. لنواجه الحقيقة: الهواتف الذكية وتطبيقاتها مصممة لئلا تسمح لمستخدميها بالإفلات من أحضانها الرقمية أبدا.

لكن ثمة طريق للخروج من تلك الفوضى الإلكترونية، وهو الاستخدام الواعي للتكنولوجيا. المقصود ليس التخلي تماما عن الأجهزة الإلكترونية والانعزال عن وسائل التواصل الاجتماعي، بل استخدامها بقدر معين وبوعي وحكمة من أجل حفظ قدرة عقولنا على الانتباه ومعالجة بحر المعلومات الواسع من حولنا بشكل مفيد.

استخدام التكنولوجيا لفترات طويلة والتعرض للشاشات على اختلافها يؤدي إلى مشاكل حقيقية، إذ يتأثر الجسم سلبا بوضعيات الجلوس السيئة، ما يؤدي إلى الإصابة بآلام الرسغ والظهر والرقبة وضعف البصر وقلة النوم. كما يمتد التأثير السلبي للإفراط في استخدام التكنولوجيا إلى الإصابة بالقلق بسبب التدفق المستمر للأخبار شديدة الوطأة المتداولة عبر الإنترنت، حسبما أخبرتنا المعالجة النفسية سلمى طارق (لينكد إن). ومع الوقت يصبح من العسير تنظيم المشاعر، وتتأثر جودة التفاعلات الاجتماعية والشعور بالتواصل مع الآخرين، ما يؤدي في النهاية إلى الإحساس بقلة الرضا والإنجاز على المدى الطويل.

تعلم استخدام التكنولوجيا بوعي يتيح لنا الاهتمام أكثر بصحتنا العقلية والجسدية والعاطفية، ويمنحنا الفرصة لممارسة أنشطة أفضل وأكثر إنتاجية دون الانعزال تماما عن العالم، كما أنه يشجعنا على الالتفات إلى الوقت الحاضر، بحسب طارق.

التكنولوجيا ليست شرا مطلقا أو خيرا مطلقا، الأمر يتوقف على طريقة استخدامها. وفي ما يلي أفضل الوسائل التي ننصح بها:

1#- امنع الإشعارات غير البشرية -

إيقاف كل الإشعارات يمكن أن يكون مفيدا على المدى القصير، ولكنه ليس عمليا للتطبيق في كل الأوقات. لذلك عليك تحديد الإشعارات المهمة فقط للحفاظ على التواصل مع العائلة والأصدقاء أو العمل في الحالات المهمة، وترك الباقي في وضع الصمت.

استخدم خاصية عدم الإزعاج بذكاء: تتيح هواتف أيفون وأندرويد تنظيم جدول زمني للإشعارات التي تستقبلها، حتى تتمكن من حجبها لمدة معينة لتتفرغ للتركيز أو الراحة أو قضاء وقت اجتماعي. إذا كنت بحاجة إلى التركيز على نشاط بعينه واستقبال الإشعارات المرتبطة بما تفعله فقط، يمكنك استعمال وضع التركيز. تعديل الإشعارات واختيار تطبيقات محددة لإرسالها يساعدك في تنظيم الإشارات الحمراء التي تظهر على شاشتك، ويضمن لك استقبال الإشعارات المهمة فقط وتقليل المشتتات غير الضرورية، كما يمكن أن يقلل أيضا من زمن "السكرولينج" دون هدف على منصات التواصل الاجتماعي، طبقا لطارق.

هل تريد تخصيص الإشعارات دون تفعيل خاصية عدم الإزعاج؟ جرب أحد التطبيقات المخصصة لهذا، وهي متوفرة على أندرويد مثل Nights Keeper وDigital Wellbeing وTasker، وكذلك على أيفون مثل Freedom وFocus Keeper وOffScreen. هذه التطبيقات تساعدك على قطع الاتصال ببعض المواقع والتطبيقات لمدة زمنية محددة، والتدرب على العمل بدورات من التركيز وأخذ قسط من الراحة بين كل دورة وأخرى.

2#- استخدم جهازا/ تطبيقا واحدا فقط -

الانتقال بين التطبيقات والأجهزة قد يشغلنا لساعات وساعات. عليك بالتركيز في تطبيق أو جهاز واحد فقط، فهذا سيساعدك على التفاعل مع المادة الترفيهية أو المعلوماتية أمامك بعمق وتركيز، وسيسهل عليك التوقف عندما تشعر بالاكتفاء.

عندما تركز على جهاز/ تطبيق واحد لمدة طويلة، يسمح لك هذا بأخذ استراحة بين الحين والآخر لشحن التركيز عبر أنشطة بسيطة مثل التمارين أو التنفس الواعي، أو حتى النظر من النافذة أو الذهاب في تمشية قصيرة تجدد نشاطك وتبعد عنك الإرهاق.

3#- اشحن هاتفك خارج غرفة النوم -

ينصح الخبراء بتحويل غرفة النوم إلى مكان مقدس يخلو من مظاهر التكنولوجيا الحديثة، والامتناع عن التحديق في الشاشة قبل النوم وبعد الاستيقاظ مباشرة، وكذلك النظر إلى الهاتف عند الاستيقاظ عشوائيا خلال الليل، وهو ما يخل بدورة النوم الطبيعية ويصعب العودة إلى السبات.

المنبه القديم صديقك: لا تعتمد على هاتفك في إيقاظك، بل اشتر منبها من الطراز القديم. سيكسر هذا الارتباط المضر بين الهاتف الذكي والاستيقاظ من النوم، ويمنحك بداية هادئة لليوم. وبدلا من تصفح الهاتف لنصف ساعة قبل مغادرة السرير كل يوم، يمكنك ممارسة التمارين الخفيفة أو التفكير في أهداف اليوم.

4#- جرب الهاتف الغبي -

لا يفل الهاتف الذكي إلا الهاتف الغبي، الذي لا يقدم إلا الأساسيات مثل إجراء المكالمات الهاتفية وإرسال الرسائل النصية وتشغيل الوسائط، دون تطبيقات تشتتك. لا تقلق، هناك هواتف غبية بتصميمات أنيقة حقا.

لست بحاجة إلى استخدام هذا الهاتف على الدوام، إلا إذا كنت تستمتع بالابتعاد عن التكنولوجيا والإنترنت. استخدم هاتفك البسيط في عطلات نهاية الأسبوع والإجازات، لأن الحياة اليومية قد تحتاج إلى استعمال الكثير من الخدمات الرقمية.

الهواتف الغبية تتيح لك الانفصال عن العالم الرقمي، لكنها تسمح للآخرين بالوصول إليك من خلال عدة طرق أخرى. كما أن وظائفها المحدودة تعني عمل البطارية لفترات أطول بكثير، مما يعني أنك لن تضطر إلى التحرك بشاحن طوال الوقت، أو الهرع إلى المنزل لإنقاذ الهاتف الذي تشير بطاريته إلى 1%.