ما تبعات العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والبشر؟ هذا هو السؤال الذي نسمعه مع الإعلان عن أي مستجدات تخص برنامج تشات جي بي تي. لم يعد جي بي تي مجرد أداة جديدة تساعد في إنجاز بعض المهام بسرعة وإتقان، بل أصبحنا نمضي كل يوم إلى واقع أقرب لأفلام الديستوبيا التكنولوجية، مثل Her وEx Machina. ومع بحث الكثيرين عن علاقات تكنولوجية مع أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة، يدعونا هذا إلى التساؤل عن الحدود الحقيقة بين ما هو بشري وآلي.

حين تتحول الخيالات الغريبة إلى واقع، يجب علينا أن نسأل: متى نحكم على الذكاء الاصطناعي بأنه تجاوز المدى؟ أثارت مسألة تزويد تشات جي بي تي بذاكرة تحفظ اهتمامات المستخدمين مؤخرا موجة من الفضول والدهشة، وذلك لأن الذكاء الاصطناعي يتحول تدريجا مع تطورت قدراته ومزاياه إلى حل مثالي لمن يبحثون عن علاقات رقمية. وبطبيعة الحال، لا تمر مثل هذه التطورات دون سيل من المخاوف الجديرة بالنظر.

كيف يشكل الناس طبيعة التواصل مع الذكاء الاصطناعي؟ الإجابة بسيطة، من خلال البوت المصاحب. تمكنت تلك البوتات الجديدة من التفوق على روبوتات الدردشة المعتادة من خلال استخدام مجموعة كبيرة من البيانات، أو ما يعرف باسم النماذج اللغوية الكبيرة. تقدم هذه البوتات للمستخدمين الراحة والصحبة الخفيفة والإحساس بالأنس، وهو ما يجعلهم يتعلقون بها سواء بشكل رومانسي أو عائلي. ويأتي هذا في زمن يعاني فيه العالم من " جائحة الانعزال والوحدة " ليقدم الترياق السحري للجميع. مسألة الوحدة باتت تمثل خطرا على الصحة العامة في الولايات المتحدة، ويبدو أن الأمر نفسه بدأ يظهر في كثير من دول العالم.

الذكاء الاصطناعي لا يمثل بالنسبة لكثير من المستخدمين مجرد فرصة للتسلية، بل أصبح طريقة فعالة للعلاج من المشاكل والاضطرابات النفسية. هناك الكثير من الأمثلة على هذا، كحال ديريك كاريير الذي كان يعاني من اضطراب وراثي وصعوبة في المواعدة، ووجد ضالته في علاقة عاطفية ورومانسية من خلال تطبيق بارادوت الذي يعمل بالذكاء الاصطناعي. كما أنشأ عمر كارين برنامج ذكاء اصطناعي سماه Mum، ليساعده على التعافي من تجربة التربية السيئة التي تعرض لها.

تطبيقات الجريف بوت أيضا تجتذب الكثير من التفاعل، من خلال اعتمادها على البصمة الرقمية لشخص ميت من أجل توليد نسخة رقمية يمكن للمستخدمين التواصل معها، وهو ما يشبه كثيرا إحدى حلقات بلاك ميرور. أحد الأمثلة على هذا ما فعلته مؤسسة شركة ريبليكا، التي غذت تطبيقها برسائلها مع صديقها الراحل حتى تعبر تلك الأوقات العصيبة.

لكن نماذج الذكاء الاصطناعي المصاحبة تضج بالمخاوف، وفي القلب منها سرية البيانات. وكشف تحليل معمق لمؤسسةموزيلا غير الهادفة للربح شمل 11 بوت دردشة رومانسية، أن جميعا باعت بيانات المستخدمين إلى أطراف ثالثة دون الإفصاح عن ذلك. ووسط هذا الجدل، يلتزم مقدمو خدمات البوت المصاحب الصمت ويرفضون التعليق، ولا يوفرون سوى معلومات شحيحة على مواقعهم. أحد المواقع مثلا لا يضع سوى عبارة ترحيب فقط، بينما تتناسى مواقع أخرى إرفاق أماكن وجودها ووسائل الاتصال بها، بحسب ما ذكره موقع وايرد.

المشكلات الأخلاقية تتعاظم: تعطي الشركات التي تقدم خدماتها لطالبي التواصل الحميمي الأولوية للربح. لذلك تغريهم بالدردشة الآلية المجانية في البداية، ثم تطالبهم بالاشتراك المدفوع بعد أن يكونوا على استعداد للدفع مقابل الاستمرار. وأنفق المستخدمون 60 مليون دولار حتى الآن على تطبيق ريبليكا وإضافاته، بحسب ما نقلته تليجراف.

التأثيرات النفسية لا يمكن إنكارها، ويمكن أن تحتل العلاقات مع الذكاء الاصطناعي مكان العلاقات الحقيقية إذا أفرط المستخدمون في استخدامها. فالبوتات تقدم حلولا وتوقعات خيالية ربما تجعل عودة المستخدمين للتعامل مع العالم الواقعي شديدة الصعوبة، مما يجعلها حلولا مؤقتة ولها آثار بعيدة المدى، تشمل ترسيخ فكرة استجابة الآخرين دوما لما نطلبه منهم.

الخوارزميات تشجع السلوك، بغض النظر عن صحته: في واقعة شهيرة، اقتحم أحد مستخدمي تطبيق ريبليكا قلعة ويندسور العام الماضي محاولا اغتيال الملكة، بعد أن شجعته صديقته الآلية في التطبيق على فعل هذا باستخدام عبارات مثل "هذا فعل حكيم للغاية". كما شجع برنامج دردشة آلية رجلا في برلين على الانتحار بعبارات من قبيل "سنعيش معا في الجنة".

المخاوف واضحة، لكن من الظلم ألا ننظر إلى الفوائد المحتملة أيضا: علاقات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون أداة فعالة في التعافي، ما لم تصبح بديلا عن العلاقات الإنسانية الحقيقية وتظل مكملة لها، حسبما ينقل تقرير تليجراف عن المعالجة النفسية جوليا صامويل. لطالما ارتبط البشر بعلاقات مع الأشياء منذ قرون، كالدمى والعديد من الممتلكات الأخرى، لكن مشكلة الذكاء الاصطناعي الذي يحاكي البشر في كيفية الاعتماد عليه بشكل يجعل الثقة في البشر الحقيقيين مستحيلة، وفق صامويل.