نحن في زمن "الترو كرايم"، وربما علينا أن نفهم قواعده: بالنسبة لكثير من الناس، الاسترخاء بعد يوم عمل شاق لا يعني الاستلقاء على الأريكة ومشاهدة بعض مقاطع الفيديو المضحكة أو فيلم خفيف، بل يتضمن غالبا مسلسلا يحكي قصة جريمة حقيقية أو رواية قتل مثيرة للقلق. وجدت دراسة أجراها مركز بيو للأبحاث أن ما يقرب من ربع برامج البودكاست التي تحتل قمة التصنيفات في الولايات المتحدة تركز على قصص الجريمة الحقيقية، بينما توصل استطلاع إلى أن 76% من الأمريكيين البالغين يحبون هذا النوع من الدراما.

البشر يحبون الانخراط في الجرائم، لكن بأمان: تأسست شبكة إنفستجيشن ديسكفري المتخصصة في وثائقيات الجرائم الحقيقية عام 2008، وذاع صيتها لدرجة تنظيمها مؤتمرا للجريمة الحقيقية تحت اسم "أي دي كون" (أو Murderchella)، والذي استمر حتى عام 2021 ليخلفه مؤتمر كرايم كون، الذي يستضيف مجرمين حقيقيين للنقاش ويجهز معارض تفاعلية لمَشاهد جريمة حقيقية، بالإضافة إلى تنظيم " كرايم كروز " بحرية.

هناك مخزون لا ينضب من الأعمال الفنية التي تتناول الجرائم الحقيقية، سواء كانت أفلاما وثائقية أو مسلسلات أو برامج بودكاست، والتي تحظى بمتابعة أكبر كلما احتوت على أحداث أكثر بشاعة، بعكس أخبار الجرائم الفعلية على أرض الواقع، والتي غالبا ما نشيح عنها وجوهنا.

إذا كان معظم الناس يتجنبون أخبار الأحداث المأساوية، فلماذا يستهلكونها من أجل التسلية؟ السبب باختصار هو شعورنا بالفضول تجاه الكوارث والمآسي، وفي نفس الوقت محاولة الحفاظ على مسافة آمنة منها. الأشخاص الذين يحبون متابعة الأعمال الفنية التي تتناول جرائم حقيقية يشعرون بإثارة الخطر بشكل غير مباشر دون الاضطرار لمواجهة العواقب، حسبما تنقل واشنطن بوست عن سينثيا هوفنر، أستاذة التواصل بجامعة ولاية جورجيا التي تدرس الإعلام والصحة العقلية. الأمر يشبه ركوب الألعاب الخطرة في الملاهي، التي تسمح لك بتعريض نفسك لموقف خطير في وجود رقابة، من أجل تجربة الاستجابات الجسدية والعاطفية للخطر في ظل ظروف آمنة.

استهلاك هذا النوع من المحتوى يوفر لنا شعورا بالسيطرة على الأشياء التي تسبب في العادة قلقا كبيرا، وربما تكون هذه استراتيجية تطورية لا واعية للبقاء على قيد الحياة، فأدمغة البشر مصممة لجمع المعلومات التي يمكن أن تكون مفيدة لاحقا، خاصة عندما تتعلق بالأمان. وفي حين أن هذه الاستراتيجية قد تزيد من مستويات القلق لدى بعض الناس، إلا أنها تساعد آخرين على مواجهة مخاوفهم والتغلب عليها. وربما يكون سبب بحث الناس عن الجريمة الحقيقية هو العلاج بالتعرض، وهو علاج شائع للرهاب، وفق هوفنر.

البحث عن الحقيقة وراء الشر: من الطبيعي أن نشعر بالفضول تجاه مسألة الموت، وقصص الجرائم الحقيقية تعتبر نافذة نطل من خلالها على المجرمين الذين يكسرون التابوهات الكبرى ويستجيبون للدوافع الإنسانية السيئة. وعلى هذا النحو تعتبر كل حلقة بمثابة تقييم لمدى "فداحة الشر"، لأنها تعبر الحدود الفاصلة بين مفاهيم الخير والشر التي تربينا عليها منذ الصغر.

يبدو أننا نحاول التوصل إلى الأسباب التي تدفع البشر لمثل تلك السلوكيات المتطرفة، أملا في حماية أنفسنا وعائلاتنا من تلك الفظائع، بحسب ما تعتقد الصحفية الاستقصائية المرشحة لجائزة بوليتزر كايتلين روثر. ويتفق معها الباحث السلوكي كولتان سكريفنر، مشيرا إلى أن الفضول يجذبنا إلى تلك القصص ظنا منا أن معرفتنا بها تجعلنا أكثر استعدادا لمواجهة المواقف الخطيرة.

ربما يفسر ذلك سبب ارتفاع نسبة النساء اللاتي تتابعن برامج الجرائم الحقيقة عن الرجال بنسبة تصل إلى الضعف، والذي يعود إلى اعتبارها آلية للتكيف وليست ميولا سادية. تشكل النساء 60% من ضحايا جرائم القتل على يد شخص معروف (أحد المعارف أو أفراد الأسرة)، و70% من ضحايا القتلة المتسلسلين. العديد من النساء يجدن معلومات مفيدة في هذه القصص، فمن خلال معرفة أخطاء الضحايا الآخرين يمكن منع وقوع جرائم مشابهة لهن، بينما تجد أخريات الراحة في التأكد من حل القضية ومحاسبة الجاني، ما يوفر إحساسا بالطمأنينة والأمان.

جوانب مظلمة: الإفراط في استهلاك هذا النوع من المحتوى له جوانب سلبية ويثير أسئلة أخلاقية جوهرية، خصوصا أن أعمال الجريمة الحقيقة عادة ما تخرج للمشاهدين أو القراء أو المستمعين دون الحصول على إذن من مروا بتلك المآسي. كما أن معظم الأعمال الفنية ينتهي بها الأمر إلى تمجيد المجرمين، لأنها تميل إلى تصويرهم بمظهر الأذكياء المعقدين على نحو مثير للاهتمام وجاذب للمشاهدين، بحسب رأي بعض الخبراء النفسيين.

نادي محبي القاتل المتسلسل: حصل الممثل إيفان بيترز على جائزة الجولدن جلوب العام الماضي عن أدائه لشخصية دامر، الذي تضمنت جرائمه قتل 17 شخصا وأكل لحوم بعض الضحايا وممارسة الجنس مع آخرين. أطلق هذا العديد من الحملات المتعاطفة مع القاتل على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحول دامر إلى تريند على تيك توك يقلده المستخدمون، وصار للقاتل صوت جديد وقاعدة من المؤيدين.

العلامات: