ربما تظن أننا الآن في عام 2024، ولكننا في الواقع في عام 6266.. بحساب التقويم المصري القديم. قسم أسلافنا العام إلى 365 يوما بناء على حركة الشمس، بطريقة تشبه كثيرا التقويم الميلادي الذي نعتمد عليه اليوم، لكن التقويم المصري القديم يقيس تقلبات المناخ ومواسم الزراعة بدقة أكبر.
كان العام الجديد يبدأ عند المصريين القدماء ببزوغ نجم الشعرى اليمانية في السماء، وهو أكثر النجوم التي يمكن مشاهدتها في مصر لمعانا. يعني هذا أن العام الجديد يبدأ في 11 سبتمبر، بالتزامن مع فيضان نهر النيل. لم تكن رأس السنة فقط التي ترتبط بحركة النيل، بل كان التقويم بأكمله يتشابك مع إيقاعات الحياة في الطبيعة، والتي أثرت على الأساطير المصرية أيضا.
قسم المصريون العام إلى ثلاثة فصول، كل منها يستمر لأربعة أشهر ويعكس مرحلة مختلفة من الدورة. أخت هو الموسم الأول، والذي يرتبط بفيضان النيل. بينما بيريت هو الموسم الثاني المخصص للزراعة، وشيمو هو ختام العام بالتزامن مع انحسار النيل لتصبح الأرض خصبة وجاهزة للزراعة. كان العام الجديد مرتبطا بأوزوريس، الذي يرمز موته على يد ست إلى انحسار مياه الطوفان، بينما القيامة والبعث يعكسان عودة الطوفان ونمو المحاصيل من جديد.
نحن حاليا في شهر طوبة، أبرد شهور العام وفقا للتقويم المصري القديم، وهو ما نميل إلى الاتفاق معه. طوبة هو الشهر الخامس في العام وأول شهور موسم بيريت، وكان القدماء يقضونه في التحضير للمحاصيل الصيفية ويتطلعون إلى حصاد أول قطفة من قصب السكر، بالضبط كما يفعل المزارعون الآن.
كان التقويم المصري يتبع نظام الـ 12 شهرا التي نعرفها اليوم، إلا أن كل شهر كان يحتوى على 30 يوما فقط. ولتجنب انحراف الفصول عن تزامنها مع الوقت والظواهر الشمسية، أضاف أسلافنا خمسة أيام “فاصلة” إلى آخر العام، ليتم 365 يوما.
لم يكن التقويم المصري القديم مجرد أداة لقياس الوقت، بل كان جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية. ومع تدفق النهر والخيرات التي يحملها، كان المصريون يعبرون عن امتنانهملحابي إله النيل بإقامة الاحتفالات، وعن خوفهم من تراجع منسوب المياه بتقديم القرابين والصلوات. كما كانت رغبتهم في محاذاة التقويم مع نجوم معينة تدفعهم إلى أداء طقوس للآلهة التي تقيم في “دوات”، العالم الآخر. بينما كان تأمل بزوغ نجم الشعرى اليمانية في السماء يذكرهم بأنوبيس إله الموتى، مما يوفر الأمل في عبور آمن إلى الحياة الأخرى.
الكثير من التقويمات الحديثة تستلهم نظامها من طريقة المصريين القدماء، كما أن التقويم القبطي يعتمد بشكل كبير على الجدول الزمني المصري القديم، ولا يزال يستخدم نفس أسماء الشهور حتى يومنا هذا.
لم يتوصل المصريون القدماء وحدهم إلى طرق متطورة لقياس الوقت، بل فعلتها حضارة بلاد الرافدين أيضا. ورغم أن التقويمين المصري والبابلي نشئا في مناطق مختلفة خلال فترات زمنية مختلفة، فإن بينهما بعض أوجه التشابه المثيرة للاهتمام، وكذلك بعض الاختلافات.
في عام 1900 قبل الميلاد، توصلت حضارة بلاد ما بين النهرين التي تقع حاليا في العراق إلى التقويم البابلي. يعتبر ذلك التقويم واحدا من أقدم الطرق التي اعتمدها البشر لتقسيم العام بناء على حركة الشمس والقمر معا. ورغم أن المصريين القدماء اعتمدوا في البداية على تقويم قمري، فإنهم تخلوا عن استخدامه مع ظهور التقويم الشمسي الأكثر دقة. ومثلما فعل أسلافنا أيضا، استخدم البابليون القدماء التقويم لتحديد المواسم الزراعية.
ارتبط التقويم المصري بالنيل، بينما نظر أهل بابل إلى النجوم لتحديد الشهور والأعوام. ففي ظل غياب المقياس الأرضي الواضح مثل النيل، اعتمدوا على المزيد من القرائن السياقية داخل الطبيعة للاستدلال على المواعيد، وهو ما نعرفه اليوم بعلم الفلك. كان على الكهنة وقتها مراقبة السماء لتحديد بداية الشهر الجديد، تماما كما نفعل الآن مع الأشهر الهجرية. قسم البابليون مسير الشمس إلى 12 نجما مرتبطا بـ 12 برجا فلكيا مختلفا، في ما يشبه ممارسات التنجيم والأبراج الحديثة. كما اعتقدوا أن الأبراج تؤثر على مصائر الأفراد، واستخدموها في التنبؤات.
هذه الممارسات وصلت إلى مصر القديمة أيضا، واستخدمها أجدادنا للتنبؤ بولادة الإنسان وموته وبعثه من جديد في الحياة الآخرة. كانت مراقبة حركة الكواكب وسيلة لفهم إرادة الآلهة وتفسير الطالع، واعتبرت الأحداث السماوية مثل الكسوف والمذنبات نذيرا قويا، استلزم أداء طقوس وصلوات معينة لاسترضاء الآلهة وتجنب وقوع أي كوارث.