في عصر أصبحت فيه معايير الاستدامة والحوكمة البيئية والاجتماعية والاقتصادية ذات أهمية متزايدة، برزت مبادرة رائدة تعمل على تشكيل مستقبل التجارة الدولية. وتعتبر ” مبادئ غرفة التجارة الدولية للتجارة المستدامة: المرحلة الثانية “، التي تقودها غرفة التجارة الدولية، خطوة محورية نحو مواءمة التجارة العالمية مع الاحتياجات الملحة لكوكبنا. ويعتبر هذا المشروع الطموح بمثابة دليل واضح على المشهد المتطور للتجارة والتمويل.

التركيز المزدوج: تعتبر منهجية غرفة التجارة الدولية ثورية في تركيزها المزدوج. فهي لا تقتصر على تقييم الاستدامة البيئية للمعاملات فقط، وإنما تمتد أيضا لتشمل تقييم مساهمتها في مجالات التنمية المستدامة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي. ويعتبر هذا النهج المزدوج محوريا بالنسبة لتحقيق الهدف الطموح لاتفاقية باريس المتمثل في الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية وكذلك لتحقيق أهداف منظمة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.

وقد لعب بنك HSBC، بالتعاون مع خمسة بنوك أخرى، ومجموعة بوسطن الاستشارية وغرفة التجارة الدولية، دورا فعالا في تطوير هذه المبادئ. ولقد توجت جهودهم الجماعية في مرحلتها الأولية، “المرحلة الأولى”، والتي جرى تقديمها في مؤتمر المناخ COP27 في مصر. ولقد أرست هذه المرحلة الأولية الأساس اللازم لتحديد المبادئ المعتمدة للاستدامة لجميع الأطراف المشاركة في المعاملات التجارية، مع التركيز على قطاعي النسيج والملابس.

وتعمل “المرحلة الثانية” من مبادرة غرفة التجارة الدولية على توسيع نطاقها بشكل كبير. ويمتد الأمر إلى ما هو أبعد من قطاع النسيج ليشمل قطاعات حيوية مثل الطاقة والسيارات والزراعة. وعلاوة على ذلك، فهي تطرح بعدا مبتكرا من خلال تقييم استدامة طرق النقل في التجارة، وبالتالي تعزيز قوة التحليل وشموليته. ويقوم الآن نظام تصنيف فريد بتحديد “درجة التقييم” للمعاملات، مما يوفر معيارا كميالاستدامتها.

المعايير الخاصة بالقطاع: لقد كانت التقارير المستخلصة من “المرحلة الأولى” مفيدة، لا سيما من حيث التأكيد على الحاجة إلى إيجاد معايير خاصة بقطاعات محددة. ولقد أسهم قطاع النسيج، على سبيل المثال، في تسليط الضوء على ضرورة تحديد مصادر مستدامة يمكن التحقق منها. ومن المحتمل أن يكون هذا المبدأ قابلا للتطبيق في مختلف القطاعات، حيث يتطلب كل منها مجموعته الفريدة من بيانات الاستدامة.

وإدراكا منا للتنوع في قطاعات الأعمال والصناعات، فإن “المرحلة الثانية” لغرفة التجارة الدولية تهدف إلى إنشاء قاعدة بيانات لمعايير الاستدامة الخاصة بقطاعات محددة. ويضمن هذا الجهد ألا تكون تدابير الاستدامة عالمية من حيث الغرض المحدد لها فقط، بل تصميمها أيضا لتتناسب مع الخصائص الفريدة لكل قطاع من قطاعات الأعمال.

ومن أحد الجوانب الهامة والحاسمة لهذه المعايير الجديدة هو دمج مطالبات التوثيق الخارجي للاستدامة وأتمتة هذه البيانات ضمن العمليات الخاصة بالمؤسسة. ويعتبر تحديد التوثيق الخارجي المناسب ودمج هذه المعلومات ضمن الأنظمة التقنية التكنولوجية أمرا حيويا لاستكشاف المشهد الرقمي المتزايد لتمويل التجارة.

الاستدامة والمعايير الاجتماعية ليست بالأمر الجديد في مجال التمويل؛ فهي موجودة في أشكال مختلفة، مثل مبادئ خط الاستواء لتمويل المشاريع ومبادئ السندات الخضراء لأسواق رأس المال. إلا أن تطبيقها في عالم تمويل التجارة العالمية المعقد والضخم يعتبر خطوة جريئة وطموحة. وقد يكون التأثير كبيرا، نظرا للدور المحوري الذي تلعبه التجارة في الاقتصاد العالمي ومساهمتها الكبيرة في الانبعاثات الكربونية على المستوى العالمي.

ولا يقتصر تمويل التجارة على مجرد توفير التسهيلات التمويلية. بل يتجاوز ذلك ليشمل حلولا طارئة مثل الضمانات وخطابات الاعتماد، المعترف بها الآن بموجب مبادئ القروض الخضراء التي تديرها مؤسسات مالية عالمية مختلفة. وهو بالتالي يعمل على توسيع نطاق التأثير المحتمل لمعايير التجارة المستدامة.

وتعتبر هذه المبادرة هي الأولى من نوعها في قطاع الأعمال المصرفية – أي تطوير معايير خاصة بالتجارة المستدامة. وتعتبر المشاركة الفاعلة لبنك HSBC في صياغة هذه المعايير مؤشرا واضحا على مدى التزام القطاع المالي بتحقيق مستقبل مستدام. وإن ترسيخ هذه المعايير سيسهم بإعادة تشكيل مشهد التجارة الدولية، وتوجيهها نحو أفق أكثر استدامة وإنصافا.

بقلم: ديانا تشيرنيفا، رئيس قسم خدمات التجارة العالمية والذمم المالية لدى بنك HSBC للشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا.