وصل التوجه العالمي نحو الاستدامة إلى قلب العمليات التجارية: أي إلى الشبكة المعقدة من سلاسل الربط المعروفة باسم شبكات التوريد. ولم يعد مكان وكيفية قيام الشركات بتوريد المواد وتصنيع المنتجات وتسليم البضائع مجرد مسألة متعلقة بالتكلفة والكفاءة حصريا. ويخضع التأثير البيئي والاجتماعي لكل خطوة الآن للتدقيق، مدفوعا بأنظمة أكثر تشددا، وتزايد وعي المستهلكين، والرغبة الجماعية في تأمين مستقبل أكثر اخضرارا.
العامل الرقمي
يكمن عامل تحقيق الاستدامة ضمن هذه الشبكات المعقدة في التحول الرقمي، وتحديدا تسخير قوة البيانات لتوضيح كل خطوة من خطوات العملية. ولقد بدأ هذا التحول من خلال اعتماد معيار ISO 20022، وهو نهج موحد لبيانات معاملات الدفع. ومن الظاهر أن هذا التحول التقني يحمل إمكانات هائلة. حيث تتضمن كل معاملة ثروة هائلة من المعلومات حول الممارسات المستدامة وظروف العمل واستخدام الموارد في جميع قطاعات شبكات التوريد. ويمكن أن تكون البيانات الدقيقة بمثابة خارطة، تكشف عن أعلى وأدنى المستويات من حيث التأثير البيئي والاجتماعي.
وتتجاوز أهمية هذه البيانات مجرد ذكرها ضمن التقارير، إذ أنها تمهد الطريق للتأثير على مستويات الثقة. ويطالب المستهلكون والشركات على حد سواء بشكل متزايد بضمانات لتوافق خياراتهم مع قيمهم. ولم تعد الشفافية أمرا اختياريا، بل أصبحت ميزة تنافسية. وعندما تتمكن الشركات من تتبع سير منتجاتها منذ البداية وحتى النهاية، ومدعومة ببيانات يمكن التحقق منها، فهذا من شأنه أن يساعدها على كسب ثقة العملاء وولائهم. ويتبادر المثل القديم إلى الأذهان ــ “من الجيد أن يكون لديك الثقة بأمر ما، ولكن ينبغي عليك التحقق منه أولا”. إذ تعمل البيانات على تمكين الشركات من إثبات الاستدامة في أعمالها ومنتجاتها.
موجة الابتكار
إنه المكان الذي من المتوقع أن تظهر فيه الموجة القادمة من الابتكار. تخيل أنك تستخدم بطاقات المشتريات التي تتيح لك إمكانية تتبع نفقاتك عليها، بالإضافة إلى الاحتفاظ بالبصمة الكربونية لمشترياتك. ويمكن لهذا المستوى من المعلومات أن يساعد بشكل أفضل عملية اتخاذ القرارات، مما يتيح للشركات إمكانية اختيار الموردين بناء على التزامهم بممارسات الاستدامة. ويتماشى هذا التحول مع التوجه المتزايد نحو حلول الذكاء الاصطناعي المتجددة، التي يتم سبرها من قبل الشركات الأجنبية وشركات الشحن، لتحديد الموردين المستدامين والتواصل معهم بشكل ديناميكي.
إلا أن البيانات وحدها ليست كافية. إذ تكمن القوة الحقيقية في توحيدها وإمكانية الوصول إليها. وتعمل تنسيقات البيانات المشتركة والمنصات المفتوحة على تمكين التعاون والعمل الجماعي عبر مختلف قطاعات الأعمال. ولا يقتصر هذا الأمر على تبسيط عمليات التحليل والتقييم فقط، بل تعمل أيضا على تعزيز مستويات الثقة والمساءلة في جميع قطاعات شبكات التوريد.
وبفضل الانتشار الواسع لبنك HSBC على المستوى العالمي وخبرته العميقة في معايير الاستدامة الناشئة والتزامه بالحلول المستندة إلى البيانات، بات يتمتع بمكانة فريدة تمكنه من توجيه الشركات على طول سير هذه الرحلة. فنحن نقوم بتمويل قطاعات الأعمال التي تساهم في الحد من الانبعاثات الكربونية بشكل كبير، ونتفهم مدى أهمية اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيق هذه الغاية. وهدفنا هو أن نكون الشريك المفضل في مجال تحقيق الاستدامة، وتمكين عملائنا من تقليل تأثيرهم البيئي وتطوير شبكات توريد مرنة ومسؤولة.
إن الطريق نحو مستقبل مستدام لا يقتصر على استخدام التقنيات النظيفة والصديقة للبيئة فحسب، بل يمتد أيضا ليشمل البيانات غير المكتملة التي تربط كل مرحلة من مراحل عملية الإنتاج والتسليم. ومن خلال اعتماد الأنظمة والتقنيات الرقمية، والتوحيد القياسي، والشفافية، سنتمكن من إطلاق العنان للإمكانات الحقيقية لشبكات التوريد الخاصة بنا، وتحويلها من قنوات استهلاكية إلى محركات للتغيير الإيجابي.
بقلم: كايل بوج (لينكد إن)، الرئيس الإقليمي لحلول المدفوعات، بنك إتش إس بي سي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا.