تزداد رحلة الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة صعوبة مع تزايد القيود على المعاملات بالعملات الأجنبية، إذ أن كل شركة ترغب في الدفع لشركة جوجل أو مايكروسوفت، أو إطلاق حملة إعلانية إلكترونية، أو حتى الدفع مقابل خدمات البنية التحتية السحابية أو الاشتراك في خدمات للمراقبة أو شراء أداة برمجية خاصة بأعمالها، تحتاج إلى العملات الأجنبية للقيام بكل ذلك، وهو ما يشكل “تحديا كبيرا أمام استمرارية هذه الشركات”، خاصة تلك التي لا تملك (أ) أذرعا خارجية، (ب) مصدرا للعملات الأجنبية سواء من خلال الإيرادات الخارجية أو المستثمرين الأجانب.
الموقف الحالي: كان البنك المركزي قد أعلن في أكتوبر الماضي فرض قيود على المعاملات بالعملات الأجنبية باستخدام بطاقات الائتمان بحيث لا تتجاوز 7,750 جنيها شهريا (نحو 250 دولار بالسعر الرسمي)، إلى جانب وقف استخدام بطاقات الخصم المباشر بالجنيه في الخارج.
لا استثناءات: قالت ثلاثة بنوك تحدثنا إليها إنها لا تمنح أي استثناءات للشركات التي يمكنها إثبات أن معاملاتها بالعملة الأجنبية عبر الإنترنت هي أساس إدارة أعمالها، سواء للوصول إلى البريد الإلكتروني أو لاستخدام الأدوات والبرامج المتعلقة بالعمل، أو البنية التحتية السحابية.
الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة هي الأكثر تأثرا، يليها الشركات القائمة التي ليس لديها إيرادات مقومة بالعملة الأجنبية. يعتمد تأثير تحركات البنك المركزي على الشركات الناشئة على المرحلة الاستثمارية التي وصلت إليها الشركة، حسبما قال الشريك الإداري في أكاسيا فينتشرز على الشلقاني لإنتربرايز. “قد لا تكون الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة قد بلغت مرحلة التوسع بالخارج، مما يعني أنها ربما لا تمتلك حسابا مصرفيا بالعملة الأجنبية، وهنا كانت الحاجة إلى بطاقات الخصم المباشر وبطاقات الائتمان الخاصة بالشركات، وهو ما أضحى صعبا للغاية حاليا”.
تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة والوكالات وشركات الخدمات المهنية المحلية تحديا أصعب، حسبما أخبرنا أحد الشركاء الإداريين في إحدى الوكالات البارزة. “ليس لدينا كيان خارجي لأننا لم نكن بحاجة إليه سابقا، لذلك نواجه حاليا تحديا لأنه لا توجد نهاية واضحة للقيود المفروضة. نحن محظوظون لأن لدينا ما يكفي من الإيرادات من العملاء خارج مصر لتغطية نفقاتنا [بالعملة الأجنبية] عبر الإنترنت، لكنها لا تزال محدودة”.
الحلول –
البديل: شراء العملات الأجنبية من السوق الموازية وإيداعها في حسابك بالعملة الأجنبية هنا في مصر، ثم استخدام بطاقة خصم مباشر بالعملة الأجنبية لسداد النفقات الخارجية. “نحن نلجأ إلى هذه الطريقة، لكننا لسنا مرتاحين تماما”، حسبما قال الرئيس التنفيذي لشركة تصنيع متوسطة الحجم: “لقد حذرنا البنك الذي نتعامل معه من أنه لا يوجد ما يضمن أنه سيجري تعويضنا بالكامل إذا حدث أي اختراق لبطاقة الخصم الخاصة بنا”. “لقد قمت فعليا بالاستعانة بـ [السوق الموازية] لتغطية استيراد مدخلات الإنتاج الخاصة بي، لذا فإن الأمر يشكل مزيدا من الضغط فحسب”.
كيف يتم ذلك؟ تتبع العديد من البنوك نهجا أكثر تساهلا فيما يتعلق بالودائع النقدية بالعملات الأجنبية منذ عدة أشهر، ما سمح لبعض الشركات بشراء احتياجاتها من العملة الصعبة من السوق الموازية ثم إيداعها في حساباتها البنكية لتغطية احتياجاتها الاستيرادية. تحصل الشركات على نحو 85% من قيمة إيداعها لتدبير الاستيراد فيما تحصل على النسبة المتبقية كإيداع بالجنيه بسعر الصرف الرسمي.
الشركات الناشئة الأكثر رسوخا في وضع أفضل، وأيضا الشركات غير التكنولوجية التي تتمتع بإيرادات موثوقة ومستمرة من العملات الأجنبية. “لم نتأثر كثيرا بقرار المركزي”، وفق ما قاله حسين الخشن (لينكد إن) الشريك المؤسس والمدير التنفيذي للتكنولوجيا في منصة “ساكنين”، مشيرا إلى احتياطي الشركة من العملات الأجنبية في الخارج من الاستثمارات السابقة. “ثانيا، من الأسهل دائما الاشتراك في خدمات برامج وأدوات الأعمال من الخارج على أية حال، [بسبب الضرائب المرتفعة التي تفرضها مصر على البرامج المدفوعة بالعملات الأجنبية]، لذا كنا ندفع بالفعل مقابل خدماتنا البرمجية من الخارج قبل فرض القيود على المعاملات الأجنبية”.
الكثير من الضرائب: بدأت مصلحة الضرائب هذا العام بمطالبة شركات التكنولوجيا العالمية بفرض وتحويل ضريبة القيمة المضافة البالغة 14% على الخدمات المقدمة في مصر. كما تطلب من الشركات المصرية استقطاع 20% من قيمة أي خدمة مدفوعة للخارج وتزويد البائع بإيصال ضريبة خصم من المنبع.والمشكلة هنا تكمن في أن أصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة لن يتمكنوا من تضمين هذه الضريبة في معاملاتهم مع شركات التكنولوجيا العالمية، ما يترك معظم هذه الشركات أمام خيار واحد وهو زيادة إجمالي مدفوعاتهم وتحويل نسبة 20% منها إلى الدولة.
الاستعانة بمصادر خارجية لسد المدفوعات؟ “نحن [نملك] شركة بالخارج تتولى [مدفوعاتنا البرمجية والتسويقية]، ولكنها لا تزال مشكلة كبيرة بالنسبة للشركات الناشئة المحلية في مراحلها المبكرة، والتي سيتعين عليها الآن أن تتطلع إلى الأسواق الخارجية”، حسبما قال يوسف السماع (لينكد إن)، المؤسس المشارك لشركة ماذربينج المتخصصة في مجال الصحة والرفاهية للنساء.
الاستعانة بمصادر خارجية “محلية”: لدى بعض الشركات العالمية، مثل مايكروسوفت وجوجل، شركاء محليون يتلقون المدفوعات بالجنيه، ثم يقومون بالدفع لمقدمي الخدمات الخارجيين. التكلفة: زيادات كبيرة في الأسعار، والدفع مقدما قبل 12 شهرا، إلى جانب صعوبة إضافة حسابات جديدة أو تغيير الخطط المشتراة.
كيف تمكنت الشركات الناشئة الصغيرة من الوفاء بالتزاماتها؟ اضطرت إحدى الشركات الناشئة إلى استخدام بطاقات ائتمان متعددة، بما فيها البطاقات الشخصية للموظفين، لسداد مدفوعاتها، حسبما أخبرنا أحد المؤسسين، مشيرا على وجه التحديد إلى المدفوعات المتعلقة بالحملات الإعلانية على منصات التواصل الاجتماعي، والتي يجب أن تُدفع أولا بأول. “ارتفع إجمالي تكاليف التسويق لدينا بنسبة 13%، كما ارتفعت تكاليف التكنولوجية غير المباشرة بنسبة 15%”. “كان الأمر صعبا”، حسبما قال المؤسس.
يظل خيار الدفع بالعملة الأجنبية عن طريق تحويل بنكي متاحا في حال كان لديك المبلغ نقدا، ولكنه ليس متاحا لدى كل التجار، وبشكل عام فقط إذا كنت تدفع لمدة عاما مقدما، ما قد يمثل ضربة للتدفقات النقدية.
بعض الشركات تتطلع إلى افتتاح فروع لها في الخارج، خاصة في منطقة الخليج، بينما تسعى شركات أخرى إلى فتح حسابات افتراضية في الخارج، حسبما قال السماع.
من بين عمالقة التكنولوجيا.. أحسنت “جوجل” التصرف: منحت شركة جوجل عملائها المصريين الذين يدفعون التزاماتهم ببطاقات الائتمان المحلية، فترة سماح لمدة شهرين بدءا من نوفمبر على المدفوعات المستحقة، وذلك بعد وقت قصير من إعلان المركزي قراره، ما يسمح لهم باستخدام خدمات جوجل وورك سبيس حتى يناير المقبل.
ما لا يرغب فيه المستثمرون الأجانب –
لا عملة صعبة = لا استثمارات: مستثمرو رأس المال المغامر – وهم قليلون بالفعل في مصر منذ نهاية عصر “التمويل الرخيص” – أقل ميلا للاستثمار في الشركات التي تدر إيرادات بالجنيه المصري فقط، حتى إن كانت تحقق نموا، وفقا لما أضافه السماع.
“هذه القرارات تزيد من إحجام شركات رأس المال المغامر عن الاستثمار في مصر”، وفقا للشلقاني. انخفضت إيرادات الشركات المصرية الناشئة بالفعل بنسبة 50% عند تقييمها بالدولار، كما ارتفعت التكاليف بالدولار بنحو الضعف. “إنها ضربة مزدوجة”، حسبما أضاف الشلقاني.
ربما الوقت قد حان للتوسع في الخارج: “على المدى القصير، سيتعين على الشركات محاولة النجاة من خلال التوسع في أسواق أخرى”، وفقا للشلقاني، الذي أكد قائلا: “قد يؤدي ذلك إلى ازدهار ظاهرة هجرة العقول بالطبع، لكن التفكير في التوسع خارج مصر هو أحد الطرق الرئيسية للتحوط من هذه المخاطر. يعني هذا أنه ينبغي إعادة توجيه الموارد التي من شأنها توسيع نطاق عملك داخل مصر، إلى أسواق أخرى”.
الحكومة في وضع لا تحسد عليه، حسبما قال الشلقاني. “ربما لا تكون هذه المعضلة على رأس أولويات الحكومة حاليا، بالنظر إلى الوضع الاقتصادي الحالي. وبالطبع، أنت لا ترغب في أن يتعثر الاقتصاد، لأن ذلك من شأنه أن يخلق مشكلة أكبر بكثير. ولكن لا بد لي من التأكيد على أن الأمر لا يتعلق بالنوايا السيئة وراء تنفيذ السياسات، التي قد تفيد بالفعل غالبية الأفراد داخل هذا الاقتصاد، ولكنه يتعلق بأن الأقلية من [الشركات الناشئة والشركات الصغيرة] قد تعاني من أضراره، خاصة على المدى القصير إلى المتوسط”.
“لكن الأمر ليس بهذا السوء”، حسبما أضاف الشلقاني. “من غير المنطقي القول إن هذا يجعل السوق المصرية طاردة للاستثمارات. على الرغم من التحديات، تعتبر مصر سوقا كبيرة تضم مواهب عظيمة، وأفراد يقدمون حلولا مبتكرة للغاية. طالما يمكنك ابتكار منتجات جديدة لها أسواقها، فإنك ستخلق قاعدة عملاء، وبالتالي يصبح عملك ناجحا”، وفقا للشلقاني.