منذ ظهر الوعي البيئي، بدأت الشركات تتبنى جهود الاستدامة، والتي جرى الترويج لها في شكل أعمال مجتمعية من أجل الاهتمام بالكوكب. والحقيقة هي أن وضع ملصق Go Green (سواء كان ذلك بالمعنى الحرفي أو الافتراضي) على منتج/خدمة قد أدى إلى تحقيق عوائد أعلى بطريقة أو بأخرى، ما يعني أنه - على الرغم من وجود اهتمام حقيقي واحترام للبيئة - إلا أن هذه الجهود لها أيضا فوائد مالية.
هل يفعلون ذلك لتقليل الهدر أم لزيادة الإيرادات؟ إلى جانب بعض التسميات المضللة والادعاءات المنمقة والتقارير الانتقائية، وفي بعض الأحيان مجرد عمليات احتيال مباشرة، فإنه ليس سرا أن الشركات تستفيد ماليا من التحول إلى البيئة الخضراء. بدأت العديد من العقول التجارية تتساءل كيف نتحول إلى الاستدامة دون أن نربك أعمالنا أو تتضرر أرباحنا.
وهذه هي الطريقة التي توصلنا بها إلى تجربة ما نعرفه الآن باسم الغسل الأخضر، وهو جهد متعمد لخداع المستهلكين بأن منتجات الشركة أو خدماتها أكثر حرصا على البيئة مما هو عليه الحال في الواقع.
الاستفادة من المستثمرين والمستهلكين الباحثين عن شركات أو منتجات صديقة للبيئة يجلب ما هو أكثر من الأرباح، إذتستخدم العديد من الشركات الغسل الأخضر كتكتيك لتجميل صورتها أو تعزيزها لدى العملاء، إذ أن 60% من المستهلكين يميلون أكثر إلى دعم الشركات الصديقة للبيئة.
الترويج للالتزام البيئي يمنح الشركات ميزة تنافسية في السوق: في دراسة أجريت عام 2019، كانت هناك أدلة كثيرة توضح أن تلبية احتياجات المستهلكين المهتمين بالبيئة تؤدي إلى ارتفاع مباشر في الأرباح بأكثر من طريقة. أظهرت دراسة أجريت عام 2014 أن الشركات ذات المبادرات الخضراء تؤمن عائد استثمار أعلى بنسبة 18% من الشركات الأخرى وأعلى بنسبة 67% من الشركات التي ترفض مشاركة تقارير الانبعاثات. وفي المتوسط، حققت الشركات التي تقول إنها صديقة للبيئة نموا أكبر بنسبة 8% مقارنة بالشركات التي لا تفعل ذلك.
لكن بعض الشركات لا تشارك في التحول الأخضر فحسب، بل تستفيد منها. عادة ما يدفع المستهلكون أكثر مقابل المنتجات صديقة البيئة، إذ تتربح الشركات بشكل مباشر من المستهلكين ذوي الأهداف النبيلة.
بشكل مبسط، فإن استغلال الحركة الخضراء هو تجسيد للانكماش التضخمي، أي أنك تدفع نفس المبلغ مقابل خدمة أو منتج أقل.
وعلى سبيل المثال،وفرت شركة أبل 6.5 مليار دولار عن طريق إزالة أجهزة الشحن وسماعات الأذن من صناديق آيفون، حسبما ذكرت صحيفة ديلي ميل. قرار قيل أنهم اتخذوه لخفض النفايات وتقليل انبعاثات الكربون. واحتشد دعاة حماية البيئة وراء القرار، إذ توقعت الشركة خفض انبعاثات الكربون بمقدار 2 مليون طن سنويا، حسبما يوضح المقال.
شركات الطيران ضمن القطاعات المتهمة بالغسل الأخضر. أقدمت شركات الطيران على وضع إجراءات لتقليل الحمولة على الطائرات بزعم زيادة كفاءة الوقود. وبدأت الشركات بالفعل تحفز العملاء على تقليل الأمتعة "لأسباب بيئية" مع فرض غرامات على الحقائب الإضافية، وبالتالي تجني الشركات أموالا طائلة تصل إلى 29 مليار دولار سنويا، كما أنهم يوفرون الوقود أيضا.
بنفس الطريقة أصبحت الأسعار المرتفعة للمنتجات والخدمات الصديقة للبيئة ممارسة شائعة. لا عجب أن تكون تكلفة المواد المستدامة مرتفعة مع قلة الوحدات المنتجة نسبيا، ولكن المستهلكين الواعين ليس لديهم مشكلة في دفع مقابل مادي أكبر من أجل شراء منتجات صديقة للبيئة والتي تصل زيادة أسعارها إلى نحو 75%- 85%. والمشكلة هنا تحديدا هي الإعلانات المضللة.
العلامات التجارية في عالم الأزياء هي أبرز المتهمين: قدمت كثير من الشركات مجموعة إصدارات "مستدامة" وزعمت أنها صنعت من مواد عضوية أو أن مراحل إنتاجها تلتزم بمعايير أخلاقية معينة، ولكنها لم تقدم ما يدعم ادعاءاتها فعلا. ولم تتوقف الشركات عند مجرد الإفراط في تلك الوعود، بل تذرعت بها لتستخدم مواد أرخص في الإنتاج لتضمن تحقيق مبيعات أكثر بالاعتماد على انخفاض العمر الافتراضي للمنتجات.
واجهت شركة إتش أند إم العملاقة في مجال صناعة الملابس لدعوى قضائية العام الماضي بسبب إطلاق مجموعة "Conscious Collection" بأسعار مرتفعة وسوقت لإنتاجها بأنه يراعي "الاعتبارات البيئية للكوكب". وقالت الشركة أن المجموعة الجديدة وصلت إلى 20% على مؤشر هيج المعني بتقييم مستوى الاستدامة للملابس بحسب المواد المستخدمة في صناعتها. ولكن الخدعة تكمن في أن الشركة تجاهلت بطريقة أو بأخرى علامة السالب أي أن تقييم المؤشر كان -20%، ويعني هذا التقييم على ملصقات البيانات الخاصة بالمنتجات أن هذا المنتج يستهلك مياها مثلا أكثر من المعتاد بنسبة 20%.
كشف تحقيق في هذه القضية أن عددا من منتجات المجموعة مصنوعة من البوليستر بنسبة 100%. وليست الحالة المذكورة إلا مثال بسيط عن الجرائم التي ترتكب بحق البيئة من خلال منتجات شركات الموضة السريعة مع الترويج لها وتحديد أسعارها باعتبارها صديقة للبيئة.
إليكم قصة أسوأ: استحوذت شركة الأدوية العملاقة باير في عام 2020 على شركة مونسانتو، وهي شركة أمريكية للكيماويات الزراعية قدمت مبيد الأعشاب تحت اسم "راوند آب" وزعمت أنه آمن للمستخدمين والبيئة. ولكن لجنة المنافسة والمستهلك الأسترالية اتخذت إجراءات قانونية ضد الشركة بعد أن تسبب منتجها في الإصابة بالسرطان، واضطرت باير لدفع غرامات بقيمة 10.9 مليار دولار كجزء من اتفاق للتسوية. وكانت الشركة في نفس الوقت تعمل على تسوية قضيتين مختلفتين بتكلفة بلغت 1.22 مليار دولار بسبب تلويث المياه.
بعيدا عن الاستغلال البشع لقضية البيئة من أجل التستر على جرائم عدة، يظل لعملية الغسل الأخضر تأثيرا إيجابيا على البيئة. صحيح أن ثمة تساؤلات أخلاقية كثيرة ترتبط بهذه القضية، لكن لا يمكننا أن ننكر استفادة الكوكب من أثر الضغوط على الشركات من أجل تلبية توقعات المستهلكين.
لا شك أنها مصادفة جيدة لنا على أي حال، ولكننا تعلمنا من تكرار التجارب أن كثير من الشركات حين تعبر عن بالتحول الأخضر فهي تقصد جني المزيد من الدولارات الخضراء لا أكثر.