معظم تاريخ الفلسفة الغربية عبارة عن سرد صاغته شخصيات ذكورية بأغلبية ساحقة، لذا يجري الخبراء مراجعات نقدية لملاحظة مدى التزام هذا العلم بمعالجة ما يعد في ظاهره اهتمامات وتحيزات إنسانية عالمية. وتوصل الخبراء إلى نتيجة مفادها أن الفلسفة كنظام لا تستبعد النساء فحسب، بل إنها تشكلت أصلا من خلال استبعاد النساء.
هذه الملاحظة صادمة بالنظر إلى أن النساء انخرطن بنشاط في الفلسفةعلى مر التاريخ، حتى أنهن نلن الإعجاب (والفضل أحيانا) من معاصريهن الذكور، لكنهن كن يأتين دوما في مرتبة ثانوية.
بينما يراجع العلماء أساسيات الفلسفة ويسلطون الضوء على المفكرين الذين تعرضوا للتجاهل، تثير المراجعات الجديدة أسئلة جديدة حول القيم الفلسفية، وتبني روايات جديدة تقدم فهما أكثر حداثة للتطورات الفكرية عبر التاريخ.
أحد الأسئلة التي تستمر في الظهور هو سؤال فلسفي في حد ذاته: هل الاستبعاد التاريخي للنساء هو أحد أعراض التحيزات المستمرة، أم أن التحيزات المستمرة هي أحد أعراض استبعاد النساء من الفلسفة؟ من سبق الآخر، الدجاجة أم البيضة؟
وسائل نشر الأفكار في الماضي كانت مختلفة: لم تنشر المفكرات النساء أطروحات فلسفية خلال حياتهن، لكن هذا لا يعني أنهن لم يشاركن فيها. العديد من أفكار الفلاسفة النساء خرجت في أشكال غير تقليدية، مثل المخطوطات غير المنشورة والمراسلات مع الآخرين والمذكرات، وحتى أبيات الشعر.
الأفكار النسائية غالبا ما كانت تتناول قضايا يرفض التيار العام في القرن التاسع عشر اعتبارها جزءا من الفلسفة، مثل القضايا الأخلاقية المتعلقة بالحياة المنزلية، وتحديدا التوازنات داخل الأسرة ودور الرجل والمرأة فيها. بينما تصور الفلاسفة الذكور أن هذه القضايا تغوص في تفاصيل تجعلها خارج نطاق الفلسفة “الجادة” أو “المنهجية”، التي تتعامل مع قضايا أكثر تجريدا ووجودية.
النشاط الاجتماعي والسياسي من الموضوعات الأخرى التي حاولت الفلسفة النسائية استكشافها، بينما تتجاهلها الفلسفة في العادة. وكذلك التعليم الأخلاقي والعاطفي وبالتحديد دور العواطف في صنع القرار الأخلاقي، والهوية الشخصية التي ينظر إليها على أنها تختلف عن الموضوعات الأكثر تجريدا وشخصنة من الحوار الفلسفي التقليدي.
جزئيا، المسألة تتعلق بالذاتية مقابل الموضوعية: هناك ملاحظة مثيرة تطرحها آن جيه جاكوبسون أستاذة الفلسفة الفخرية في جامعة هيوستن، والتي تخلص إلى أن النساء يجدن التجربة الشخصية أكثر ملاءمة لمعالجة موضوع ما، بينما يشعر الرجال أن التجربة الشخصية تجعل الرأي غير صالح.
في العقود الأخيرة، عمل الباحثون في مختلف المجالات على توسيع مناهجهم عبر إدراج الأعمال النسائية التي تعرضت للإهمال.وحتى المجال العلمي المعروف تاريخيا بإهماله للنساء، أصبح أكثر شمولا ومنفتحا على إسهامات العالمات وجذابا للوافدات الجدد. بينما لا تزال الصورة النمطية للرجل الحكيم الملتحي تهيمن على السرد التاريخي في المجال الفلسفي، ما يعزز تصور هذا العلم كموضوع يتشكل إلى حد كبير من خلال وجهات النظر الذكورية.
ربما تكون الطبعة الأولى من كتاب “مقدمة نورتون للفلسفة” أهم الأمثلة على هذا، فالكتاب المدرسي الضخم الذي عمل على تحريره فلاسفة بارزون لا يضم أي كتابات للنساء، وهو ما يوضح الإقصاء المؤسسي للنساء .
هذا الإقصاء لا يرسخ الاعتقاد بغياب المرأة عن التاريخ الثقافي للإنسانية فحسب، بل يقلل أيضا من أهمية الأدوار المحورية التي لعبتها النساء في تشكيل الأفكار الفلسفية الحديثة، كما يعيق نشر المعرفة ويطيل أمد عدم التوازن بين الجنسين في الفلسفة الأكاديمية. ويؤكد كثيرون أنه لن يكون بإمكاننا استعادة تاريخ الأفكار النسائية المهمشة أبدا، بسبب استبعادها تاريخيا من المدارس والجامعات.
نماذج كسرت القاعدة: هناك أدلة تاريخية تؤكد وجود الفكر الفلسفي النسائي على مر التاريخ، مثل مؤرخ الفلسفة الألماني في القرن الثامن عشر يوهان جاكوب بروكر، الذي أدرج المفكرات الإناث في تاريخه الشامل للفلسفة، مؤكدا أن “النساء الحكيمات موجودات عبر مختلف الثقافات”.
بارقة أمل: في حين تعرضت النساء للحرمان من الفضل في تشكيل الفلسفة التي نعرفها اليوم، كانت هناك حركات تصحيح لإدراج بعضهن في تاريخ الفلسفة الغربية خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين، مثل سوزان لانجر وإليزابيث أنسكوم وحنة آرندت وسيمون دي بوفوار.