ماذا تعني المقاطعة بالتحديد؟ المقاطعة هي دعوة شعبية لمحاولة التأثير على مجموعات أو دول معينة تضر الآخرين. وتعود جذورها إلى أيرلندا في ثمانينات القرن التاسع عشر، عندما قرر وكيل الأراضي الإنجليزي تشارلزبويكوت رفع تكلفة الإيجار على المستأجرين، ما أسفر عن تضافر المجتمع المحلي ورفض التعامل معه، وهو الإجراء الذي أجبره على المغادرة في النهاية.

هل لها تأثير حقيقي على الأرض؟ أحدثت المقاطعة تأثيرا تاريخيا، إذ نشر خبراء في الأمم المتحدة تقريرا يكشف أن مبادرات المقاطعة كانت عاملا رئيسيا وراء انخفاض الاستثمار الأجنبي في إسرائيل بنسبة 46% عام 2014 على أساس سنوي، و50% عام 2015.

أما حركة مقاطعة إسرائيل القائمة اليوم فنتجت عن مبادرة أطلقها ائتلاف يضم 170 مجموعة في عام 2005، للدعوة إلى مقاطعة جميع المنتجات الإسرائيلية والشركات التي تساعد الاقتصاد الإسرائيلي.

إسرائيل.. تاريخ مؤلم مع المقاطعة –

يعتمد الاقتصاد الإسرائيلي بشكل كبير على التجارة والاستثمار الدوليين، لذا يعد عرضة بشكل خاص للمقاطعة على نطاق واسع. وتعتمد المقاطعة على أن الضغوط الاقتصادية على إسرائيل يمكن أن ترغم القادة الإسرائيليين على الرضوخ للمطالب الدولية ووقف إطلاق النار وإنهاء الصراع.

أدت حملات المقاطعة ضد إسرائيل إلى تصفية شركة أجريكسكو التي كانت أكبر شركات التصدير الزراعي في إسرائيل، كما أجبرت شركة صودا ستريم على الإغلاق بعد سحب منتجاتها من رفوف تجار التجزئة الكبار، مثل مايسيز في الولايات المتحدة وجون لويس في المملكة المتحدة.

وفي عام 2016، غادرت شركتا فيوليا وأورنج الفرنسيتان وشركة سي آر إتش الأيرلندية إسرائيل بعد حملات قوية كشفت تورطها في الجرائم الإسرائيلية.

وأنهت شركتا جنرال ميلز وبن آند جيري لتصنيع المواد الغذائية عملياتها ومبيعاتها في فلسطين، فيما تعرضت الأخيرة لدعوى قضائية بسبب الإشارة صراحة إلى أن جرائم الحرب الإسرائيلية كانت سبب تخارجها.

المقاطعة في مصر –

هل شراء منتجات المقاطعة يضر بالقضية الفلسطينية؟ المقاطعة يمكن أن تكون أداة فعالة عندما تستخدم في وجود تنسيق مجتمعي، حسبما ينقل موقع أهرام أونلاين عن الباحث الاقتصادي محمد رمضان. وفي ظل القوة الشرائية الكبيرة لمصر في المنطقة، فإن تراجع معدل الاستهلاك المصري يمكن أن يؤثر بصورة ضخمة على أرباح الشركات، حسبما تؤكد أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة أمنية حلمي.

وجهة نظر مختلفة: يرى المحلل المالي نادي عزام أن المقاطعة لن يكون لها تأثير كبير على أرباح أو أسعار أسهم الشركات المتعددة الجنسيات، معتبرا أن المبادرة مسألة تعبير أخلاقي وليست أداة للتغيير الفعال.

العقوبات الرسمية هي الوسيلة الأسرع لإنتاج ضغوط اقتصادية كافية لفرض التغيير السياسي، لكن يكاد يكون من المستحيل فرض حظر صارم على السلع التجارية التي تسهم في المذابح المستمرة للفلسطينيين.

السلوك العام للمستهلكين هو ما يحدد قرارات الشركات، لذا فليس من المرجح أن تبادر من تلقاء نفسها إلى استبعاد المنتجات المؤيدة لإسرائيل، لكنها ستفعل ذلك إذا تضررت مبيعاتها نتيجة ضغط كبير. باختصار: العملية تبدأ من القاع وصولا إلى القمة.

إحدى نقاط الخلاف الرئيسية أن العديد من منتجات المقاطعة الشهيرة مملوكة لمصريين، وقد أصدرت بعض الشركات المصرية التي تدير هذه الامتيازات بيانات تنأى بنفسها عن تأييد إسرائيل وتصرفات الشركات الأم.

هذه الشركات مستقلة بالفعل، لكنها تدفع رسوما سنوية للشركات الأم مقابل استخدام العلامة التجارية والحق في تصنيع منتجات محددة.

تغييرات إيجابية في الاقتصاد المصري: مقاطعة الشركات متعددة الجنسيات تعني تقييد الأموال التي تضخها في الاقتصاد الوطني، لكن المبيعات التي تخسرها لا تتبخر، بل يعاد توجيهها في الغالب نحو الشركات المحلية، أي أن الأموال تشق طريقها إلى السوق المصرية على أي حال.

وبجانب إعطاء الشركات المحلية والناشئة فرصة للازدهار، يعتبر التحول نحو المنتجات الوطنية مفيدا دون شك من الناحية الاقتصادية. تطوير الاقتصاد المصري يوفر المزيد من فرص تقرير المصير والأمن، ما يخفف بعض الاعتماد على التجارة الدولية.

أحد الأمثلة على نمو السوق المحلية: سبيرو سباتس. يبلغ عمر الشركة أكثر من قرن كامل، أي أنها تعمل في مصر قبل ظهور إسرائيل إلى الوجود أصلا. تأسست الشركة على يد شاب يوناني حمل نفس اسمها، وشهدت فترات ازدهار وتراجع على مدار تاريخها، وأخيرا قفزت مبيعاتها بنسبة 300% نتيجة للمقاطعة.

مصير العامل المصري –

اتجهت بعض الشركات إلى دعم العمال الذين قد يتأثرون بالمقاطعة، ووعدت بمنح الأولوية لتوظيف العمال المتضررين من مقاطعة العلامات العالمية. كما دعا بعض المسؤولين التنفيذيين الشركات المصرية لمساعدة الموظفين المتأثرين بحركة المقاطعة.

لم تعلن الشركات في قوائم المقاطعة عن أي تسريح للعمال حتى الآن، كما لم تدل بأي تصريحات تشير إلى أن موظفيها في خطر. وتشير حلمي إلى أنه من غير المرجح أن تلجأ الشركات العالمية إلى عمليات الفصل.

المقاطعة حفزت المصريين للبحث عن بدائل محلية، لكنها ستستمر لأسباب أكثر من الرأي العام، حسبما يقول عالم الاجتماع السياسي سعيد صادق للعربي الجديد. ويشير صادق إلى أن ارتفاع أسعار الصرف والتضخم يوفران حافزا أكبر للانجذاب نحو المنتجات المحلية، مؤكدا حتمية الوصول إلى هذا السلوك بشكل طبيعي حتى دون دوافع أخلاقية.