تطورت التكنولوجيا من مجرد أداة إلى كونها امتدادا للذات، وهكذا صار الإنترنت مجتمعا. وأصبح حاضنة لما برع فيه البشر منذ فجر التاريخ، وهو سرد القصص وخلق الأساطير.
تجد الأساطير الحديثة مجالا واسعا على منصات الإنترنت، بمجرد زرع الفكرة، فإنها – وفقا لنظرية الاحتمالات – ستجد شخصا يعتقد بها، ويشارك تجربته المماثلة، ثم يشارك قصته وإضافاته الخاصة. وفي لحظة، سوف تتطور هذه الأساطير وتتكيف وتنتشر بسرعة بفضل الطبيعة الديناميكية والتشاركية لثقافة الإنترنت.
يمكن أن تتراوح الأساطير الرقمية من قصص مخيفة وغامضة إلى نظريات معقدة وظواهر غير قابلة للتفسير، حيث يؤكد الناس في جميع أنحاء العالم روايات بعضهم البعض عن المجهول من خلال التجارب المشتركة.
أحد أقدم أشكال الأساطير الرقمية كانت رسالة عبر البريد الإلكتروني. إذا كنت تستخدم الإنترنت قبل ازدهار وسائل التواصل الاجتماعي، فقد تتذكر أنك تلقيت رسالة بريد إلكتروني معاد توجيهها تنذرك بالحظ السيئ لبقية حياتك إذا لم تعد نشر الرسالة. نظرا لأن المعتقدات الخرافية متأصلة فينا منذ سن مبكرة، فإننا مبرمجون لاختيار الحذر عندما نضطر إلى التفاعل.
في حين أن العديد من الأساطير الأخرى عبر الإنترنت يغذيها الخوف من المجهول، فإننا لا نتعامل معها جميعا على أساس “السلامة خير من الندامة”، فبعضها يستغل تجارب مجتمعية وعقلية.
إحدى هذه الظواهر هي “تأثير مانديلا“، وهي الحالة التي تتذكر فيها مجموعة كبيرة من الناس حدثا أو حقيقة أو تفاصيل بطريقة معينة على الرغم من عدم حدوثها في الواقع. وتأخذ الظاهرة اسمها من الذاكرة المشتركة (غير الحقيقية) لوفاة نيلسون مانديلا في السجن.
صاغت الباحثة فيونا بروم هذا المصطلح بعد أن لاحظت أن الكثير من الناس، وهي أولهم، يتذكرون وفاة مانديلا في السجن في الثمانينيات. ولكن هذا ليس كل شيء. ويتذكرون بوضوح رؤية التغطية الإخبارية لوفاته بالإضافة إلى خطاب أرملته. خرج مانديلا من السجن حيا في عام 1990، ليواصل قيادة جنوب أفريقيا للخروج من عقود من الفصل العنصري قبل أن يتوفى في عام 2013، عن عمر ناهز 95 عاما.
تأثير مانديلا هو مجرد ظاهرة، أما الأسطورة فهي الحديث عن وجود أكوان متوازية. بل إن البعض قد وثق ” أدلة ” على أن كلا النسختان موجودتان على مستويات مختلفة.
ويصر العلماء على أن ذلك دليل فقط على ضعف ذاكرتنا. ولكن كثير من الناس يعتقدون أن الأمر له تفسير علمي، بل وعن طريق فيزياء الكم.
يعتقد البعض أن ظاهرة الأكوان الموازية هي نتيجة مباشرة لإطلاق مركز البحوث النووي الأوروبي مصادم الهادرونات الكبير في عام 2008، وهو أكبر وأقوى مسرع للجسيمات في العالم. ومن وجهة نظرهم، فإن تجارب مركز البحوث النووي الأوروبي حولت الحقول الكمية، حيث تبادلت أجزاء من كوننا مع تلك الموجودة في كون مواز. ولأن وعينا لا يتأثر بالتغيرات الجسدية في الواقع، فإن ذكريات الحالة “الأصلية” للأشياء تبقى قائمة.
وبينما يحاول المؤمنون بهذه الأسطورة تبريرها بالعلم، يؤمن آخرون بأساطير أخرى دون تقديم أي مبررات.
ظهرتكريبي باستا، وهي أساطير مرعبة منتشرة عبر الإنترنت، لأول مرة في عام 2008 وتفرعت إلى العديد من الأساطير الثقافية الأخرى. في حين اعتقد البعض في البداية أنها قصص حقيقية، فإن المصطلح يشير حاليا إلى قصص الرعب التي اخترعها مستخدمو الإنترنت. وجدت قصص قديمة مثل “تيد ساكن الكهف ” و” أسطورة الرجل النحيل ” طريقها إلى الثقافة العالمية، ولا يزال الناس يصرون على أن كلاهما مبني على أحداث حقيقية.
كانت هناك قصة من كريبي باستا مؤخرا على وسائل التواصل الاجتماعي. بدأ موضوع “عزيزي ديفيد” لآدم إيليس على منصة إكس، بمنشور بسيط: “حسنا، شقتي مسكونة حاليا بشبح طفل ميت يحاول قتلي”.
وفي مئات التغريدات على مدار عدة أشهر، يوثق إيليس تفاعلاته مع هذه الروح الشريرة، ويقدم صورا ومقاطع فيديو لأحداث خارقة للطبيعة. وقد حصل هذا الموضوع على أكثر من 61 مليون إعادة تغريد و73.9 مليون إعجاب، كما جرى متابعته على نطاق واسع من قبل جمهور عالمي. لا يزال إيليس يؤكد أن القصة لم تكن ملفقة.
تشمل الأساطير الوجودية الأخرى المرتبطة ارتباطا وثيقا بالثقافة عبر الإنترنت فرضية المحاكاة، التي تفترض أن الحياة كما نعرفها هي محاكاة جرى إنشاؤها بواسطة الكمبيوتر وتديرها حضارة متقدمة للغاية.
وهناك أيضا الإيمان بالغرف الخلفية،وهي شبكة غامضة ولا نهائية من الغرف المتطابقة تقريبا التي توجد خارج تصورنا للواقع.
على الرغم من عدم دعمها بأدلة علمية أو أساطير موجودة مسبقا، ينشر الأشخاص بانتظام أدلة على وجود ” مواطن خلل ” في “المصفوفة” لإثبات وجودها، وصورا للغرف الخلفية، وهي مساحات محدودة تبدو مألوفة بشكل مخيف لمعظم الناس.
هل الأساطير الرقمية هي حالة من الوعي الجمعي أم أنها خدعة متقنة على الإنترنت؟ من يمتلك الإجابة؟ والحقيقة هي أن هذه الأساطير الحديثة والأساطير الحضرية قد شقت طريقها إلى الثقافة العالمية من خلال استحواذها على خيال الملايين ما يجعلها، سواء أحببنا ذلك أم لا، جزءا من تاريخ البشرية أو على الأقل شكل رائع من أشكال الترفيه.