هل تكره مشاهدة الإعلانات؟ لست وحدك، بل يتفق معك 290 مليون شخص يستخدمون أدوات حجب الإعلانات في دول العالم. يعتقد الرئيس التنفيذي للتسويق في بروكتر أند جامبل (أكبر معلن في العالم) أن المستهلكين سينتهزون أي فرصة لعدم مشاهدة الإعلانات التي تظهر عبر الإنترنت، وفقا لفوربس. ولكن عندما تصل قيمة صناعة الإعلانات الرقمية 627 مليار دولار خلال العام الجاري، فمن يهتم حقا برأي الأفراد؟

إعلانات أكثر من أي جيل في تاريخ البشرية: أشارت دراسة أجريت في السبعينات إلى أنه في المتوسط، يشاهد الفرد نحو 500 إلى 1500 إعلان يوميا. بينما ترتفع النسبة في عصرنا الحالي إلى 10 آلاف إعلان على الأقل كل يوم. 80% من إيرادات جوجل تأتي من الإعلانات التي تظهر للمستخدمين بجوار نتائج البحث، بينما ترتفع النسبة إلى 90% لدى شركة ميتا، كما هو الحال بالنسبة لأمازون وأبل ويوتيوب وحتى مايكروسوفت. على مدار العام الماضي، لاحظ المستخدمون أن الإعلانات أصبحت أكثر انتشارا وإزعاجا، لكن الخبر السيئ أنها على وشك أن تزداد انتشارا وإزعاجا.

لماذا نرى المزيد من الإعلانات؟ هناك العديد من الأسباب لذلك، أولها زيادة ميزات الخصوصية، إذ دخلت قوانين حماية البيانات حقبةجديدة في عام 2023، ما يصعب من عملية جمع بيانات المستخدمين وتقديم إعلانات مستهدفة. لتجنب غرامات انتهاك معايير خصوصية البيانات، تتجه كثير من الشركات الكبرى إلى منح مستخدميها سلطات أكبر على المنتجات، مثل أنظمة أيفون التي تضطر إلى الاستئذان من أجل السماح لأحد التطبيقات بتتبع استخدام الهاتف. وحين يختار المستخدم عدم السماح، يقطع التطبيق تدفق البيانات، ما يعني قطع تدفق الأموال إلى الشركات التي تعتمد على الإعلانات. ورغم استمرار ظهور الإعلانات غير المستهدفة، فإنها لا تدر الكثير من الأرباح للشركات، لذا فالحل يتمثل في زيادة الإعلانات، وبالتالي يشاهد المستخدم أكبر قدر من الإعلانات للتعويض عن فقدان تدفق الإيرادات.

المشهد الاقتصادي المتغير أحد أهم الأسباب أيضا: ارتفعت أسعار الفائدة الأمريكية من ما يقرب من 0% إلى أكثر من 5.25% على مدى 19 شهرا، في محاولة للسيطرة على التضخم المتفاقم، ما يجعل اقتراض الشركات التكنولوجية الأمريكية أكثر صعوبة وينطوي على مخاطر مالية أكبر. وحتى الآن، يعمل وادي السيليكون وفق نموذج بيع المنتجات والخدمات للمستهلكين بأقل من تكلفتها الحقيقية، مع وجود هدف نهائي ينطوي على التغلب على المنافسين ورفع الأسعار بمجرد احتكار السوق. مع تضييق الخناق على الاقتصاد، أصبح المستثمرون وتحديدا مستثمرو رأس المال المغامر أكثر حذرا، وكذلك أكثر إصرارا على ضخ أموالهم في مشاريع تحقق عوائد ملموسة. ومع كل هذا، كيف يمكن خلق مصدر جديد للإيرادات يبقي المستثمرين سعداء؟ بالضبط، الإعلانات.

هل تحول المستهلك إلى سلعة؟ يبدو أن الشركات الآن تنظر إلى المستخدمين باعتبارهممنتجاومستهلكا في وقت واحد. تويتر كان مجانيا، ونتفليكس بلا إعلانات، وحتى يوتيوب، بينما تدرس ميتا الآن تقديم اشتراك بدون إعلانات مقابل 14 دولار، كما سيوفر إشتراكإكس بريميم الشهري مقابل 8 دولارات تجربة خالية من الإعلانات بنسبة 50%، أما تيك توك فيجرب على استحياء منصة بلا إعلانات مقابل اشتراك بقيمة 4.99 دولار. ومع تحول أكبر شركات التواصل الاجتماعي إلى جني الأموال عبر الاشتراكات، فإن حياة المستخدمين الذين لا يرغبون في الدفع على وشك أن تصبح أسوأ بكثير.

الاشتراكات ستجعل التجربة أسوأ: تعمل بعض المنصات عن عمد على جعل خدماتها أسوأ، لإرغام المستخدمين على التسجيل والدفع مقابل الاشتراك، وهي سياسة متبعة منذ عقود. ولدت هذه السياسة في شركات الطيران ضمن سعيها لجني مزيد من المال، إذ تتعمد جعل تجربة المسافرين على الدرجات الأرخض سيئة ومتعبة للغاية، وبالتالي يضطر المسافرون إلى شراء تذاكر أغلى حتى يحصلون على تجربة أفضل.

لا مزيد من الخدمات المجانية: أظهرت دراسة في عام 2014 أن أوسع مقاعد الدرجة الاقتصادية في طائرات اليوم تعتبر أضيق من أصغر المقاعد المماثلة لها على الدرجة نفسها في تسعينات القرن الماضي. وتعتقد مجلة تايم أن الوضع سوف يزداد سوءا، حتى يصل إلى وسائل التواصل الاجتماعي أيضا. تماما مثلما يسمح لك حاليا باصطحاب أمتعة أقل، ودفع مال أكثر لإضافة بعض الحقائب، ودفع المزيد لاختيار المقعد، عليك الآن الدفع لمشاهدة مقاطع الفيديو على يوتيوب دون إعلانات. وقد اتبعت نتفليكس نفس السياسة مؤخرا، وجربها إيلون ماسك على منصة تويتر قبل تحولها إلى إكس. تحسب الشركات هذه المعادلة من خلال جعل تجربة المستخدمين سيئة لكن ليس إلى الحد الذي يدفعهم إلى المغادرة، بل دفعهم إلى التفكير في دفع الاشتراك لتحسين تجربتهم.

خرافة البدائل.. أو "إذا لم يعجبك الوضع، ارحل": حين تجد أن كل شركات الطيران تقدم نفس التجربة، يصبح الحديث عن البدائل وهما وخرافة، ويضطر المستخدم للدفع أو البقاء في الدرجة الرديئة. نظريا، الاستغناء عن وسائل التواصل الاجتماعي أسهل بكثير من رفض السفر إلى بلد معين للأبد، إلا أن البنية التحتية لهذه المنصات وتداخلها في تفاصيل حياتنا يجعل الأمر صعبا. فإذا قررت حذف كل حسابات التواصل الاجتماعي والتوقف عن استخدام كل منصات البث، فإنك بذلك تقطع حبال تواصلك مع الأصدقاء والعائلة وما يحدث في البلد والعالم. ربما يكون هذا خيارا ممكنا، ولكنه ليس عمليا.

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت؟ ربما تكون الحال السيئة التي يعاني منها المستخدمون هي طوق النجاة في ذات الوقت، لأنها يمكن أن تخلق فجوة في السوق، وبالتالي تسمح بظهور منافسين جدد وخدمات مميزة دون اشتراكات. حينها سيغادر كثير من المستخدمين إلى تلك المنصات الجديدة، وربما يخرج بعض عملاقة صناعة التكنولوجيا من السوق، وهو ما يعني تقليل الضغط على الشركات الباقية في سبيل تحقيق الأرباح، أو بمعنى أدق: تقليل الإعلانات. كل هذه افتراضات بالطبع، لكننا على أي حال نختار التفاؤل بمستقبل أفضل.