لطالما كانت المؤسسات التنموية الدولية من أبرز مصادر التمويل، ولكن ما هو دورها – وتوقعاتها – لمواصلة المسيرة؟ تمتعت مصر بتدفقات كبيرة من الأسهم وتمويل الديون من مزيج متنوع حقا من مؤسسات التمويل الدولية، منذ عام 2011، بتمويلات موجهة للقطاع الخاص أقل مما هي عليه للحكومة.
ناقش منتدى إنتربرايز للتمويل دور المؤسسات التنموية الدولية في الوقت الحالي كمستثمرين وموجهين للقطاع الخاص وضوابط الاستدامة، مع أحمد صبحي، رئيس قطاع الاستثمار والأسواق المالية في بنك مصر، وأحمد الألفي، مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة صواري فينتشرز، ومنة ذكر الله كبير مصرفيي قطاع التصنيع والخدمات بالبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.
مصدر موثوق للعملات الأجنبية: “تظل مؤسسات التمويل الأجنبية جزءا مهما في مزيج التمويل لأي مشروع كمصدر للعملة الصعبة”، وفقا لما قاله صبحي. و”اليوم، يأتي الكثير من ديون مصر من المنظمات متعددة الأطراف مثل مؤسسات تمويل التنمية مقابل المستثمرين التجاريين بالكامل، وفقا لما قاله الألفي، مشيرا إلى تغير الأدوار. وبينما جلبت مؤسسات تمويل التنمية رأس المال في الماضي ونشطت كذلك رأس المال المحلي بشعور من الطمأنينة، فاليوم لسنا بحاجة إلى التحقق من موافقة هذه المؤسسات للمضي قدما في المشروع، حيث تتمتع المؤسسات المحلية بمجموعة المهارات المناسبة لتقييم المشاريع واتخاذ القرارات بشكل مستقل عن مؤسسات التمويل التنموية.
التخلي عن النمطية: “كمؤسسة عمرها يمتد لنحو 100 عام وتعمل بطريقة صارمة ومتشدد للغاية من حيث كيفية النظر إلى القروض، ساعدنا الدعم الذي نحصل عليه في بنك مصر خلال تلك السنوات السابقة على الاستعداد لعالم التمويل المستدام”، وفقا لما قاله صبحي.
دعم الإقراض: يسعى بنك مصر الآن أيضا إلى تطوير عمليات الإقراض، إذ “تبلغ محفظتنا من المشاريع متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة نحو 50 مليار جنيه، لنحو 140 ألف مستفيد.. ويتعلق الأمر بالحصول على الدولار للواردات وهذا هو المكان الذي تتقدم فيه مؤسسات تمويل التنمية اليوم. نحن نبتكر هياكل إبداعية من حيث كيفية تمديد فترات الإقراض هذه – أشياء مثل المكافآت، وتقديم المزيد من عنصر المنح للتمويل بحيث يرغب العملاء في الحصول على المزيد من هذا الإقراض. ومن الواضح أن أسعار الفائدة المرتفعة ونقص الدولار الأمريكي يعوقان هذا النمو قليلا”، بحسب صبحي.
يسعى البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية إلى لعب دور “الميسر”: “عندما تكون هناك فرص جيدة، علينا تحفيز المزيد من الاستثمارات من المجتمع الدولي، ولكن إلى حد كبير العمل مع البنوك المحلية”، وفقا لما قالته ذكر الله، مضيفة أن البنك الأوروبي ينظر إلى “البنوك المحلية والبنوك التجارية على أنها شركائنا وهم رافعة رئيسية لكيفية مضاعفة تفويضنا وتوسيع نطاق وصولنا في مصر، سواء من خلال خطوط الائتمان، وتحديدا الموجهة للنساء، وشركات الأراضي، والشباب الأكثر شمولا والتوظيف أو أوسع نطاقا للمشاريع الصغيرة ومتوسطة الحجم”.
تقسيم المشاريع الصغيرة والمتوسطة: “اليوم تتوزع محفظتنا التمويلية بنسبة 50% للشركات متوسطة الحجم و 50% للشركات الأصغر، وضمن ذلك أطلقنا برامج متخصصة، بما في ذلك برنامج لرائدات الأعمال فقط يسمى ذات”، وفقا لما قاله صبحي، مشيرا إلى إدارة البنك أيضا لمنتج رقمي، SME Express، و”الذي يشمل 45% من محفظته بالكامل”. “إذا وفرت للعملاء منتج رقمي، فسيستخدمونه – وقد قلل ذلك من تكلفة الخدمة لدينا بشكل كبير.. وهي تجربة تظهر أن الشمول المالي قد ينجح وعندما تنشر التكنولوجيا على نطاق واسع، يتمسك بها الناس”، بحسب صبحي.
يمكن أن تكون الشركات المشتركة مفيدة، كما حدث في ميدار – التي يمتلك فيها بنك مصر وبنك الاستثمار القومي مجتمعين نحو 75% من الأسهم – بعد تنفيذ استراتيجية جديدة، حسبما أضاف صبحي، موضحا أن بنك مصر تمكن من “جذب اثنين من المستثمرين الدوليين الذين سيأتون ويؤسسون شركة مشتركة مع البنك، هذا هو الشيء الذي نود رؤيته، وهذا النوع من الانضباط. إذا رأيت ذلك عبر المحفظة بأكملها أو البرنامج بأكمله، فستكون النتائج أفضل بكثير”.
قيادة التحول الأخضر عالميا: بحلول عام 2025، سيكون 50% من الاستثمارات السنوية العالمية للبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية خضراء، وفقا لما كشفته ذكر الله، مشيرة إلى أنه هدف حققه المقرض العام الماضي باستثمارات بقيمة 30 مليار يورو. وبدأ هذا التحول يظهر في سياسة البنك إذ “نحاول أن نكون قريبين جدا من تصميم وتنفيذ البرامج الخضراء للتأكد من أن جميع أصحاب المصلحة، ليس فقط الحكومة ولكن أيضا المؤسسات الكبرى، على نفس القدر من التوافق، عندما يصممون الضوابط، بحيث تكون البرامج قابلة للتنفيذ ومناسبة للغرض وذات الصلة”، بحسب ذكر الله.
في مصر، يعمل البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية مع الحكومة على مسودة الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين الأخضر، من خلال حشد الاستشاريين، وهي استراتيجية ينفذها المقرض بشكل متكرر، مع 93% من جميع منح وقروض الاستثمار المشترك بين عامي 2018 و2020 للمشاريع الخضراء، وفقا لما قالته ذكر الله، معتبرة أن استراتيجية الهيدروجين الأخضر هذه “ستجلب المزيد من الاستثمارات من القطاع الخاص وكذلك من المستثمرين الدوليين”.
المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة جيدة لنشاط الأعمال: “كل شركة من شركاتنا لديها تدريب ومراقبة للمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة”، بحسب الألفي، الذي أفاد بأن “هذا أحد الأشياء التي أنسب الفضل فيها إلى المؤسسات التنموية التي وضعت هذه المعايير التي اخترناها جميعا لأنه انتهى بها الأمر إلى أن تكون مفيدة لنا وجيدة للأعمال. والشركات التي تمتثل لهذه الضوابط هي التي تقدم أداء أفضل”. ومع ذلك، يعتقد الألفي أن المناخ لا يزال “انتقائيا” وليس “مركزا” على الشركات في مصر، إذ “لا أعرف مدى عمق السوق الموجودة للأعمال التي تركز على المناخ حتى الآن، لكنها بالتأكيد انتقائية ويمكن تطبيقها وممارستها على جميع شركاتنا”، على حد قوله.
مصر في رحلة – لكن ليس الجميع على متنها: تطور وجود المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة والوعي بها منذ عام 2020 من السؤال عما إذا كانت الشركة لديها البيئة الأساسية للتوافق مع تلك المعايير والضوابط، وفقا لما قاله صبحي، مستطردا أنه كبنك، يبذل بنك مصر المزيد لضمان الالتزام بالمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة. وأضاف صبحي أنه “إذا قال أحدهم إنيسأحسن كفاءة استخدام الطاقة في مصنعي من خلال تثبيت هذا، فإنهم يأتون ويحسبون الشكل الذي يبدو عليه ثم يعلنون عنه”.
مشاركة الجميع تتطلب المزيد من الجهد: “بالنسبة للشركات العائلية والشركات التي استمرت لفترة طويلة، يبدو أن المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة عامل مشتت”، وفقا لما قاله صبحي، مشيرا إلى أن “المهم هو أن تكون شفافا؛ إنهم بحاجة إلى رؤية فائدة، مثل هيكل التمويل الذي يحصلون عليه”.
عدم التوافق مع المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة قد يعني الحصول على تمويلات أقل: إذا كانت الشركات لا تعرف ما هي المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة، فقد يعيق ذلك الوصول إلى رأس مال من المؤسسات الدولية، حسبما ترى ذكر الله، مشيرة إلى محدودية المعرفة بمعايير ومتطلبات الاستدامة في مصر. ولمواجهة هذا، يسعى البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية إلى إزالة الكربون من قطاعات معينة بطريقة منهجية، وتصميم مسارات منخفضة الكربون مع أصحاب المصلحة الذين يقيمون الصناعة من وجهة نظر مستدامة. وحاليا، أتم المقرض مسار منخفض الكربون لصناعة الأسمنت ويعمل على فعل الشيء نفسه مع الأمونيا.
سوق السندات الخضراء في مصر لم يطلق إمكاناته الكاملة بعد: “السندات الخضراء فكرة مثيرة للاهتمام للغاية”، حسبما يعتقد صبحي، إلا أن الميزة التسعيرية لا تزال غير متوفرة على حد قوله. وأوضح صبحي أن “مؤسسات التمويل الدولية تعد السوق الحالية للسندات الخضراء المصرية وقد أذهب إليها مباشرة. إنها تكلفة أقل، ولست بحاجة إلى دفع مقابل التصنيف أو أي من الأشياء الأخرى التي يستلزمها إصدار سندات خضراء”.
البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية يدعم السندات الخضراء: “إنه تغيير بسيط في تصور كيفية تصرف الشركات وتفكيرها، وهو أمر مكلف، لذلك يميل الناس إلى الاعتقاد بأن الأمر مجرد رفاهية”، وفقا لما قالته ذكر الله. ومع ذلك، قد يكون أحد الحلول هو توسيع الوصول إلى مجموعة من المستثمرين الذين لا ينظرون حاليا إلى هذا القطاع بالذات، حسبما تقترح ذكر الله. في وقت سابق من هذا العام، اكتتب البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية في أول إصدار للسندات الخضراء من جانب شركة سكاتك لدعم محطاتها للطاقة الشمسية في مصر، وحشد الأموال من مؤسسات التمويل الدولية الأخرى وجذب مجموعة من المستثمرين الدوليين. يمكن أيضا دعم المشاريع من قبل المؤسسات التنموية، التي تنظر إلى الصناديق الخضراء باعتبارها قروضا مرتبطة مبتكرة ومستدامة.
..وكذلك المستثمرون مرتفعي المخاطر والموثوقين أيضا: المؤسسات التنموية على استعداد لتوفير التمويل للمشاريع التي قد يعزف عنها المستثمرون الآخرون، حسبما يعتقد الألفي، الذي وصفها بأنها “مفتاح تمويل المشاريع الكبيرة والإبداعية في مصر”. كما أن المقرضين مثل البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية على استعداد للاستثمار في التزامات طويلة الأجل، حتى في أوقات التقلبات، وكذلك في الأوقات الأكثر استقرارا، والتي يتطلع خلالها إلى إعداد الشركات للأزمات المرتقبة مستقبلا، وفقا لما قالته ذكر الله.
