يبدو أن الأيام التي شهدنا فيها ذروة التكنولوجيا المالية في مصر حيث كانت التقييمات مرتفعة للغاية وكانت شركات ر أس المال المغامر تضخ الأموال بالسوق قد ولت - واليوم، على شركات التكنولوجيا المالية التعامل مع تقلبات السوق مع نضوب التمويل وتزايد المنافسة على قطعة من كعكة التكنولوجيا المالية. إلا أن نقص التمويل لا يعني بأي حال من الأحوال الافتقار إلى الابتكار، أو الافتقار إلى الآفاق. وتقول مصادر داخل هذه الصناعة إنه لا يزال هناك الكثير من القطاعات الجاهزة للنمو في هذا القطاع، ولكن يجب على الشركات العاملة في القطاع الاعتماد على السوق المحلية والفرص المتاحة بها، فضلا عن اتباع طريق النمو المستدام.

شهد منتدى إنتربرايز للتمويل حضور اثنين من قادة هذه الصناعة لنعرف منهما ما ينتظر سوق التكنولوجيا المالية المحلية في المستقبل وما هي أفضل الطرق للتعامل مع الظروف والأوضاع الحالية. وعن الضيفين فهما؛ أشرف صبري، الرئيس التنفيذي والمؤسس لشركة فوري، و منير نخلة، الرئيس التنفيذي والمؤسس لشركة إم إن تي حالا.

ارتفاع أسعار الفائدة والتضخم أثر على التمويل المقدم من كبرى الشركات في القطاع: تسبب انخفاض قيمة العملة المحلية في تقليص قدرة شركة حالا على التمويل إلى النصف بالقياس على سعر الدولار، بحسب ما قاله نخلة. وأضاف أن ارتفاع أسعار الفائدة أثر على الشركة بشكل كبير، إذ تقوم الشركة بالإقراض على أساس سعر ثابت بينما تقترض بأسعار متغيرة. وقد أصبحت سوق التكنولوجيا المالية بسبب هذه العوامل وغيرها "سوقا صعبة" بحسب ما أضافه نخلة.

ولكن أداء حالا وفوري جيد رغم هذه الظروف: من جهته قال صبري إن "أعتقد أن أداء الشركة ممتاز حقا، فقد حققنا نموا يتجاوز 40% (هذا العام)، ونثق في جودة منتجاتنا". أما نخلة فقد أشار إلى أن الشركة حققت نموا "خلال العام الجاري بنسبة 20% (بالقياس على سعر الدولار) من خلال وضع خطة محكمة وتنفيذها بإتقان". كما أضاف نخلة أن الشركة ترى أن "أوقات الأزمات الاقتصادية تحمل في داخلها فرصا للنمو والحصول على حصة أكبر من السوق".

فما هي استراتيجية عمل مثل هذه الشركات؟ تعتمد شركة حالا على إعادة تقييم القروض وتنميتها، بحسب نخلة. أما شركة فوري فترى أن الأولوية هي للاستثمارات المقومة بالجنيه في مقابل الاستثمارات المقومة بالدولار، بحسب صبري. واتفق نخلة مع صبري قائلا: "من حيث المبدأ، أعتقد أنه إذا كنت تقوم بالإقراض بالعملة المحلية فيجب عليك الاقتراض بالعملة أيضا".

الإقراض نشاط محفوف بالمخاطر، خاصة في ظل بيئة التضخم المرتفع: يعد التمويل الاستهلاكي منتجا ذا مخاطر أعلى مقارنة بالقروض التجارية، وفقا لنخلة. وأضاف: "بطبيعة الحال، إذا كنت سأقرض شخصا ما بغرض الاستهلاك، فإن ذلك يمثل مخاطرة أكبر من إقراض شخص ما للاستثمار"، موضحا أنه بما أن معظم المستهلكين يتقاضون رواتب، فإن دخلهم المتاح ينخفض بشكل كبير في بيئة التضخم المرتفع، مما يجعل القدرة على الوفاء بالديون أكثر صعوبة.

ولكنه يلعب دورا كبيرا في اقتصادنا: "التمويل الاستهلاكي مجال أكثر تحديا، ولكن أعتقد أننا يجب أن نكون متفائلين بشأنه"، طبقا لصبري. وأضاف "يمر كل فرد بفترة زمنية حيث لا تتساوى حاجته إلى المال مع تدفق دخله"، مشيرا إلى أن مصروفات التعليم وحفلات الزفاف والعلاجات الطبية تعد من الحالات الأكثر شيوعا التي يلجأ فيها الأفراد إلى خدمات التمويل الاستهلاكي. كما يؤخذ في الاعتبار مؤشرات الصحة المالية، والتي تعكس قدرتك على تمويل وتمكين الأفراد من تلبية احتياجاتهم مع مراعاة قدرتهم على السداد، وفقا لما أضافه.

مع تزايد الاقتراض ترتفع المخاطر، ولكن حتى الآن تظل المخاطر معقولة: قال صبري: "من السابق لأوانه حدوث مخاطر نظامية واسعة النطاق (في القطاع)"، مشيرا إلى أن المعايير المحاسبية التي تتطلب وجود شركة نماذج مستقلة لتقييم سجل القروض الخاص بك، يمكن أن تكشف ما إذا كان لديك مستويات مرتفعة من مخاطر التخلف عن السداد. الأمر ذاته بالنسبة لنخلة: "تشير أرقامنا إلى أن هناك خطرا أعلى بنسبة قليلة (في هذا القطاع) ولكن يمكن استيعابه".

ه ل يعد خيار الشراء الآن والدفع لاحقا ملائما في ظل أسعار الفائدة المرتفعة؟ قال نخلة إنه يجب توخي الحذر عندما يتعلق الأمر بخدمات الشراء الآن والدفع لاحقا والتي وصفها بالموضة التي ظهرت مع المنصات الشبيهة مثل كلارنا السويدية مضيفا: " لقد ظهرت هذه المنصات في وقت كانت فيه أسعار الفائدة منخفضة للغاية، وكان المفهوم بأكمله يعتمد على خصومات التجار… وقد قلت منذ اليوم الأول إن مثل ذلك المنتج لا ينجح في بيئة أسعار الفائدة لدينا". لهذا السبب تجمع إم إن تي حالا بين التمويل الاستهلاكي والاعتماد على التجار للحصول على العروض والخصومات، وتابع: "ما نفعله هو ليس قرضا مدته ثلاثة أو ستة أشهر بخصومات ضئيلة، ما نفعله هو تقاضي أسعار الإقراض العادية والحصول على مبلغ إضافي قليل من التجار مقابل الخصومات".

دفاعا عن خيارات الشراء الآن والدفع لاحقا: قال صبري: "(هي) عبارة عن مبلغ صغير بعائد مرتفع للغاية، يتطلب رأس مال أقل لتوظيفه، مع عائد أعلى على رأس المال واكتشاف مبكر لطبيعة سجلات الديون". وأردف "هناك نماذج وأنواع مختلفة من حلول الشراء الآن والدفع لاحقا، تتلاءم مع طبيعة المستهلكين المختلفة والاحتياجات المتنوعة".

يبدو الأمر جيدا بالنسبة للتأمين: "نحن متفائلون بشأن خيارات التأمين"، فمن الممكن أن تساعد في تعزيز الوعي المالي للأفراد سواء من حيث توزيع البيانات أو معالجتها وجمعها وصرفها"، طبقا لصبري.

"إن الاستفادة من الجماهير هو أفضل الأعمال في العالم" ، حسبما أضاف صبري، مشيرا إلى أنه قطاع دفاعي، بمعنى أنه حتى في حالة الركود، يحتاج الأفراد إلى الوصول إلى التمويل لتلبية احتياجاتهم الأساسية والإنفاق يوميا، بغض النظر عما إذا كان الاقبال يزيد أم يتراجع بناء على ظروف السوق.

لا يزال هناك الكثير مما يجب القيام به لتحقيق المزيد من الشمول المالي: تركز شركتا إم إن تي حالا وفوري معظم جهودهما على الأشخاص الذين لا يمتلكون حسابات مصرفية والذين يعانون من نقص الخدمات المصرفية بشكل عام في المناطق الريفية والنائية. ومن جانبه قال نخلة: "نحو 70-80% من عملائنا لا يأتون من المدن المصرية. صعيد مصدر يساهم بنسبة 35-40% من أعمالنا، وتساهم الدلتا بنحو 35-40%، بينما تشكل القاهرة الكبرى والإسكندرية نسبة أقل من 20%".

"الشمول المالي ليس مجرد فتح حساب مصرفي، فليس ذلك إلا جزء بسيط من عملية أكبر"، طبقا لصبري. وتابع "الشمول المالي يرتبط بتقديم خدمات مالية تساعد العملاء الأفراد بدلا من المؤسسات. ويمثل فتح حساب بنكي مجرد خطوة تساعد المؤسسات، ولكن تمويل المؤسسات وتوفير خدمات التأمين بما يسمح لها بادخار مبالغ صغيرة هو ما يمكنها من مساعدة العملاء من الأفراد".

النظام البيئي المتكامل والتعاون مع الأطراف ذات المصلحة هو بيت القصيد: يرى نخلة أن الوقت "الذي تشهد فيه البلاد معدلات تضخم قياسية هو أنسب لحظة من أجل تقدم شركات تكنولوجيا المالية لتوفر خدمات التمويل للمجتمع". وبحضور الشركات المسؤولة والمؤسسات المعنية والجهات التنظيمية الفاعلة، سوف تعمل شركات التمويل الاستهلاكي من دون قلق إزاء قدرة العملاء على سداد ديونهم، بحسب ما أضافه نخلة. ومن جهته قال صبري إن "زيادة التكامل بين الأعمال التجارية والعملاء والتجار الصغار في نظام بيئي شامل، ستؤدي إلى فهم أفضل للأعمال واتخاذ قرارات مالية أفضل".