منتدى إنتربرايز للتمويل: تحديات إضافية وفرص ممكنة لقطاع التمويل في مصر: وضع مصر داخل قطاع التمويل الإقليمي يمر بنقطة تحول مهمة. بعد سنوات من المنافسة في الإمارات، أصبحت السعودية أيضا تنافسنا على الموارد والمواهب ورؤوس الأموال والاستثمارات، مع صعود المملكة كمركز مالي مزدهر. ورغم وجود تحديات خارجية علينا التعامل معها في الوقت الذي نواجه فيه ظروف اقتصادية صعبة على الصعيد المحلية، لا تزال هناك أسباب تدعونا للتفاؤل بشأن المستقبل.

ضمت الجلسة الافتتاحية لمنتدى إنتربرايز للتمويل على منصتها ثلاث شخصيات رائدة في القطاع المالي بالبلاد لمناقشة بعض التحديات والفرص التي تواجه القطاع، وهم تود ويلكوكس الرئيس التنفيذي لبنك إتش إس بي سي مصر و كريم عوض الرئيس التنفيذي لمجموعة إي إف جي القابضة و ليلى سرحان المدير الإقليمي ونائب رئيس مجلس الادارة لقيادة الأعمال في شمال أفريقيا ودول المشرق وباكستان بشركة فيزا.

من المؤكد أننا نتنافس مع السعودية والإمارات العربية المتحدة: قال ويلكوكس إن المملكة العربية السعودية مسلحة بإمكانيات النمو المدعومة بالكثير من رأس المال، مضيفا: "سيكونوا بالتأكيد جار صعب، وهم إلى حد ما وحش جالس هناك". وأضاف ويلكوكس أن الناتج المحلي الإجمالي السعودي يسير في مسار تصاعدي بمعدل نمو سنوي غير نفطي يبلغ نحو 5.5%، مضيفا أن هذا المحرك الاقتصادي سيستمر في الازدهار لبعض الوقت.

بالنسبة لمصر، يمكن أن يكون التصنيع هو الطريق إلى التحول إلى مركز مالي: العديد من المراكز المالية الرائدة في العالم، مثل لندن ونيويورك وطوكيو، تطورت في بلدان ذات قاعدة صناعية قوية، بحسب ويلكوكس، فإذا أرادت مصر تطوير نفسها لتصبح مركزا ماليا قويا ومتنوعا، فينبغي عليها أولا أن تهدف إلى التصنيع. وقال أيضا: "هذا هو الذي تتجه البلاد إليه، وهناك - في اعتقادي - تكمن الفوائد ويوجد المستقبل".

لا تزال مصر تتمتع بمزايا نسبية مقارنة بالسعودية: يرى ويلكوكس أن "مصر تتمتع بمزايا طبيعية من حيث الموقع وتكلفة الإنتاج والصناعة والخدمات اللوجستية"، وأن الحالة المصرية لديها مميزات مقارنة بالدول الأخرى التي تحاول جذب الاستثمار الأجنبي المباشر. وأشار إلى تزايد شهية المستثمرين في آسيا تجاه مصر، لا سيما مع نظر المصنعين في الصين إلى استراتيجية "الصين +1".

من بين أمور أخرى، المنافسة مستمرة لاقتناص أفضل المواهب: يرى عوض أن الأفضل والأذكى ينجذبون إلى السعودية لأن العيش فيه لم يعد يمثل تحديا كما كان من قبل، ولهذا السبب نجد الكثير من الأجيال الشابة ترغب في الانتقال إلى هناك. وأضاف أن هذه المنافسة ستجعل من الصعب على البنوك والمؤسسات المالية الاحتفاظ بالمواهب، مما يزيد من أهمية تقديم عروض أكثر تنافسية وتعزيز توازن أفضل بين العمل والحياة الشخصية.

جذب المزيد من النساء إلى ساحة العمل سيساعد في حل مشكلة النقص في المهارات. قالت سرحان: "نحن نعاني من نقص في المواهب، لذا فهذه فرصة سانحة لتوظيف المزيد من النساء ومساعدتهن على النمو"، مشددة على أهمية حصول المرأة على المناصب القيادية. وترى سرحان أيضا أن جذب المزيد من النساء إلى القطاع - وإعادة إدماج الأمهات بعد إجازة الأمومة، على سبيل المثال - "أمر منطقي من ناحية العمل لأنه سيكون من الجنون عدم تشجيع نصف القوى العاملة".

ولكن - السعودية ليست مجرد منافس مباشر، إنها أيضا سوق تكميلية للشركات المصرية. مع تعدادها الكبير الذي يتجاوز الـ 30 مليون نسمة، والتدفقات المالية القوية لديها، فإن السعودية سوق محتملة للتوسع بالنسبة للعديد من الشركات المصرية، وهو أمر باتت الكثير من الشركات تدركه الآن، وفقا لعوض. وأضاف عوض "نحن في إي إف جي أدركنا تلك الإمكانات قبل 15 أو 16 عاما، وقررنا التوسع هناك في عام 2007 لأننا رأينا مبكرا تحول المملكة إلى محور رئيسي".

إلى جانب أن الأمور ليست وردية في السعودية: اتفقت سرحان مع ويلكوكس في أن الأطر التنظيمية في السعودية ما زالت صعبة بسبب أمور تتعلق باستخدام وحماية البيانات. وقالت سرحان "ستحتاج الشركات إلى القيام باستثمارات كبيرة في إدارة المخاطر وغيرها من الأدوات المتعلقة بالامتثال" حتى تتمكن من العمل فعليا هناك.

هناك فرصة لتصدير خبرات البنية التحتية المصرية إلى السعودية: هناك فرصة هائلة في السعودية بالنسبة لشركات البنية التحتية المصرية، حسبما قال ويلكوكس. وأضاف أن "مصر فعلت الكثير على صعيد البنية التحتية في السنوات الأخيرة، واكتسبنا خبرة يمكننا أن ننقلها إلى هناك".

روشتة للتعافي: تدفقات مالية + مراجعة صندوق النقد + سياسة نقدية قوية: شدد ويلكوكس على الحاجة إلى إحداث تقدم سريع في الإصلاحات إذا كانت الدولة متجهة نحو التحول إلى بيئة اقتصادية أكثر طبيعية. الإسراع بتعزيز التدفقات من الاستثمار الأجنبي المباشر وبيع الأصول، واستكمال المراجعة المتأخرة لبرنامج صندوق النقد، وإعادة النظر في السياسة النقدية، كلها أمور ينبغي أن تحدث قبل نهاية الربع الأول من 2024 بحسب ويلكوكس. كل هذه الإجراءات ينبغي أن تترجم كرسالة واضحة إلى السوق بأن الحكومة تقوم بتحول حاسم في نهجها الاقتصادي.

ا لحل للعائدات المرتفعة التي تضغط على هوامش الربحية ؟ المزيد من الإقراض. قال عوض إن شهادات الادخار مرتفعة العائد تؤثر على ربحية البنوك لأنه يصعب عليها الإقراض بأسعار فائدة مماثلة، وشدد على أنه ينبغي على البنوك أن تتطلع إلى زيادة الإقراض والانتظار حتى انتهاء الوضع غير المواتي الحالي حتى تبدأ أسعار الفائدة في الانخفاض. وقال: "الكثير من الميزانيات العمومية للبنوك اليوم مخصصة لأذون الخزانة بدلا من القروض غير العاملة أو حتى السحب على المكشوف". من جهته، قال ويلكوكس إن نسبة الأصول إلى الودائع في بنك إتش إس بي سي "ليست حيث ينبغي أن تكون" وأن البنك بحاجة إلى منح المزيد من القروض. وأضاف: "نحن بحاجة إلى معرفة أين وصل منحنى العائد. نحن بحاجة إلى أن نرى أن التضخم قد بدأ في التراجع، وأعتقد أننا سنصل إلى مرحلة أفضل بكثير".

ما يريدونه من الجهة التنظيمية: دعا ويلكوكس إلى وضع لوائح تنظيمية رقمية تتيح التوقيع الإلكتروني والخدمات السحابية وتسهل حركة البيانات، فيما دعا عوض إلى تسريع العمليات التنظيمية. هناك أيضا عمل يجب القيام به فيما يخص خصوصية وأمن البيانات، خاصة مع التقدم في الذكاء الاصطناعي. وقالت سرحان: "الذكاء الاصطناعي لن يحدث في الفناء الخلفي لمركز البيانات، بل في السحابة". وأضافت: "من المؤكد أنك لا تريد أن تكون في صناعة متخلفة عن الركب بسبب قيود اللوائح التنظيمية أو غيابها".

والجهات التنظيمية عليها أيضا أن تتذكر أننا في منافسة عالمية: في رده على سؤال حول ما يمكن أن يطلبه من الجهة التنظيمية حال أتيحت له الفرصة للقيام بذلك، قال عوض: "السرعة، السرعة، السرعة"، واتفق معه كل من سرحان وويلكوكس على أنه فيما تمضي مصر قدما، فإن البلدان الأخرى تتسابق.

أحد المجالات التي لم نتخلف فيها عن الركب: التكنولوجيا المالية. قالت سرحان إن "مصر دولة بارزة من حيث الابتكار في مجال التكنولوجيا المالية". ولم تشهد مصر، إلى جانب نيجيريا وكينيا وجنوب أفريقيا، تباطؤا في تدفقات رأس المال في هذا المجال، على عكس دول الخليج التي شهدت "تباطؤا كبيرا يرجع إلى المؤسسين والمستثمرين في تلك الشركات أصبحوا أكثر تطلبا".

توقعوا المزيد من الاندماجات بين شركات التكنولوجيا المالية مقارنة بالبنوك التقليدية: يتوقع ويلكوكس أن نرى الكثير من صفقات الدمج في قطاع التكنولوجيا المالية مقارنة بالقطاع المصرفي التقليدية. وأضاف أن شركات التكنولوجيا المالية "أنشئت من أجل الدمج والاستحواذ لأنها ترغب في النمو والتوسع، وهنا تأتي الأموال".

البنوك التقليدية ستلحق بركب الاندماجات في نهاية المطاف، خاصة إذا دفعتهم الجهات التنظيمية إلى البدء في التوسع وبناء قاعدة رأسمالية أكبر، وفق ما قاله ويلكوكس، مضيفا أن "البنوك ستحتاج إلى النمو بشكل أكبر وأعمق" إذا أرادت المنافسة على المستوى الإقليمي وحاولت جذب استثمارات أجنبية.

زواج البنوك والتكنولوجيا المالية؟ أوضح كل من عوض وسرحان أن الدمج بين البنوك التقليدية وشركات التكنولوجيا المالية يعد وسيلة فعالة للبنوك لتحسين خدماتها التكنولوجية، كما يتيح لشركات التكنولوجيا المالية النمو والتوسع. وقال عوض "المؤسسات المالية الكبرى لم تنشأ في البداية على أسس تكنولوجية، ولهذا السبب تتطلع إلى الاستحواذ على شركات أصغر في مجال التكنولوجيا المالية لأنهم بحاجة إلى هذا الزواج". وسلطت سرحان الضوء على التغييرات التنظيمية المطلوبة من أجل تسهيل التحول بالنسبة للبنوك التقليدية.

ما هي الأسئلة الملحة التي تقلق العاملين بصناعة التمويل؟ أعرب ويلكوكس عن مخاوفه بشأن الصدمات الخارجية المستقبلية، فيما أوضح عوض أنهم في إي إف جي القابضة يفكرون دائما كيف يسبقون اتجاهات السوق بخطوة، وقالت سرحان إنها تفكر كثيرا في التدفق الوشيك للشباب إلى القطاع المالي، وخاصة الجيل زد، مشددة على ضرورة فهم سلوكهم وتقديم خدمات أفضل لهم بالاستعانة بالتقنيات المتقدمة.