هل تواجه شركتك أزمة تمويل؟ انتهى عصر الأموال الرخيصة ليحل محله عصر أسعار الفائدة المرتفعة على الصعيدين العالمي والمحلي، وإذا أضفنا أزمة العملات الأجنبية، فإن الأمر خلق حالة من عدم اليقين لدى الشركات التي باتت تعاني من ندرة التمويل. والآن أصبح تدبير التمويل واستخدام رأس المال أكثر صعوبة ــ وحساسية ــ لكلا الجانبين، سواء كانوا على جانب الاستثمار المباشر أو رأس المال المغامر، أو على جانب الشركات. ومع ذلك، لا يزال هناك تفاؤل حذر بأن رأس المال لا يزال موجودا، وأن هناك إمكانات استثمارية كافية في مصر.
استضفنا جلسة نقاش تناولت الأمر من مختلف جوانبه، خلال اليوم الأول من منتدى إنتربرايز للتمويل الأسبوع الماضي. وحضر على المنصة كل من طارق أسعد ، الشريك الإداري في ألجبرا فينتشرز، و شريف الخولي ، الشريك والمدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا للبنية التحتية والاستثمار المباشر في شركة أكتيس، و داليا وهبة ، الرئيس التنفيذي لشركة حسن علام للمرافق، ذراع الاستثمار والتطوير لشركة حسن علام القابضة.
دعونا نؤكد على شيء واضح: هناك تحديات تتعلق بالتمويل – وهي تحديات كبيرة: “نحن في وسط أسوأ موجة نضوب للتمويل نشهدها”، حسبما قال أسعد. وأضاف: “لقد اختفت شركات رأس المال المغامر التي كانت تستثمر في الأسواق الناشئة، كما أصبحت الصناديق الخليجية تفضل الانتظار والترقب، وبينما تواصل الصناديق المركزة على مصر استثماراتها، فإن عدد الصناديق يقل”. واتفقت معه وهبة التي أشارت إلى أن على الرغم من أن تراجع النشاط التمويلي هو دورة طبيعية وشائعة، فإن الوضع الحالي “يتحرك بشكل أسرع من الدورات السابقة”.
أدى ارتفاع أسعار الفائدة وأزمة نقص العملات الأجنبية وانخفاض الجنيه إلى صعوبة القيام بالأعمال: تأثرت التكاليف اليومية للمشاريع الهندسية والإنشائية لشركة حسن علام للمرافق بشكل كبير بأزمة العملات الأجنبية، مما أثر على توافر وتكلفة المواد المستوردة، فيما أدت التخفيضات الأخيرة لقيمة العملة المحلية إلى انخفاض عدد المشروعات التي يمكن لشركة حسن علام للمرافق تنفيذها خارج مصر، حسبما قالت وهبة. وأشارت إلى تغير اقتصاديات المشروعات على مدى الأشهر القليلة الماضية بالتزامن مع دورة التشديد النقدي للبنك المركزي المصري، إذ أن أسعار الفائدة التي كانت تتراوح بين 11% و12% عندما بدأت حسن علام للمرافق تنفيذ مشروعات التنمية، قفزت إلى 20%. وقالت: “لقد تباطأ نمو الأعمال، لكن حجم الأعمال لم يتقلص”.
الأمر لا يقتصر على مصر – الاتجاهات الكلية تقلل الرغبة في المخاطرة بالأسواق الناشئة: لا يزال المستثمرون مهتمين نسبيا بالأسواق الناشئة، ولكن تأثيرات تدابير الاقتصاد الكلي العالمية مثل أسعار الفائدة الأساسية المرتفعة في الولايات المتحدة في سياق ما بعد جائحة “كوفيد-19” ثم الحرب الروسية في أوكرانيا، جعلت تجنب المخاطرة عنوانا رئيسيا على مدى الـ 18-24 شهرا الماضية، وفقا للخولي. ويرى الخولي إن “العوائد الإضافية تضاءلت أمام الحاجة إلى تجنب المخاطرة… لقد رأيتم ذلك يتجسد في هبوط أحجام الأموال المتدفقة إلى الأسواق الناشئة”.
ولكن السوق المصرية لا تزال جاذبة، لكنها ليست محصنة ضد أي شيء وكل شيء: وقال الخولي إن مصر لديها أساسيات عميقة بما فيه الكفاية كي تظل مقنعة خلال دورة الاقتصاد بالنسبة للمستثمر طويل المدى ، ولكن التحديات التشغيلية الأخرى والتحديات الاقتصادية القائمة تدمر هذه الأساسيات بقوة شديدة.
ضخ روؤس الأموال لا يزال مستمرا – حيثما يمكن العثور على الفجوة والسعر المناسبين: “يحتاج القطاع إلى أن يكون منطقيا ويجب أن يكون هناك طلب [قبل] النظر في قدرة القطاع على تعديل أسعاره وإيراداته بما يتناسب مع التغيرات السعرية”، وفقا لما قالته وهبة. وأضافت: “هناك أموال في السوق لكن مشكلة العملات الأجنبية هي المبالغة في الأسعار ولا أحد يريد أن يدفع مبالغ زائدة”. قالت وهبة أيضا: “إن الافتقار إلى الرؤية يعني أنه أصبح من الصعب للغاية اتخاذ القرارات. هذا هو الجزء الأكثر صعوبة – عندما يكون المشروع موجودا، ولكن عليك إيجاد السعر المناسب”.
تسعير الأصول والمعاملات يحتاج إلى استقرار النمو: تعمل شركة أكتيس على تخفيف المخاطر من خلال البحث عن القطاعات الدفاعية التي تتمتع بمراكز قيادية في السوق، مع اتجاهات النمو المستقلة، التي تعني أنها يمكن أن تنمو بشكل مستقل عن إجمالي الناتج المحلي والاقتصاد، كمشاريع البنية التحتية المادية أو الاجتماعية من المياه والطرق والطاقة إلى الرعاية الصحية والتعليم، بحسب الخولي. وأشارت وهبة إلى التركيز على الخدمات اللوجستية، وأشار أسعد إلى الزراعة والتكنولوجيا المالية.
استثمارات نشطة لـ “ألجبرا”: سحبت ألجبرا بالفعل من صندوقها الثاني – الذي كان مدعوما من قبل شركاء محدودين يضم العديد من مؤسسات تمويل التنمية – للقيام بخمسة استثمارات، ومن المتوقع إتمام اثنين آخرين في الأسابيع القليلة المقبلة وثالث وصل لمراحل متقدمة من المناقشات. وقال أسعد ألجبرا تهتم عادة بالشركات التي وصلت لمراحل لاحقة للسماح بنمو الأسعار الذي يجذب المستثمرين. وأضاف: “لقد مررنا ببعض هذه الدورات من قبل، لذلك نرى الإمكانية على المدى الطويل، ولكن لا يوجد الكثير من المستثمرين الآخرين الذين يتحملون هذا النوع من العبء”.
في الأساس، يعد الاستثمار طويل الأجل أمرا أساسيا، بحسب ما قاله أسعد. وأضاف أنه على مستوى ما، لا يهم التسعير في حقيقة الأمر. وبصفتها مستثمرا في المراحل المبكرة، يمكن لألجبرا أن تخطئ في التسعير، ولكن إذا كان المنتج مناسبا، فيمكن التسامح مع مغامرة الاستثمار.
إذًا، من أين يأتي رأس مال النمو؟ قال الخولي إن أكتيس تتطلع إلى صناديق الثروة السيادية وأنظمة المعاشات التعاقدية العامة في الولايات المتحدة وأوروبا والمكاتب العائلية الكبرى، مضيفا أن هناك بضعة تحديات للحصول على تمويلات عبر الديون. تتطلع كل من أكتيس وحسن علام للمرافق إلى مؤسسات التمويل التنموي للحصول على الدعم. قال الخولي إن مؤسسات التمويل التنموي تقدم ديونا طويلة الأجل بالدولار بأسعار وآجال أكثر تنافسية، وهو أمر بالغ الأهمية لشركة أكتيس لمواصلة الاستثمار في الصفقات وتوفير رأس المال اللازم للنمو. وأضافت وهبة أن مؤسسات التمويل التنموي تقدم مستوى من الدعم يتناسب مع كونها مؤسسات تتعامل بأريحية تجاه المخاطر، وأن حسن علام للمرافق تتطلع إلى تلك المؤسسات كشريك في رأس مال النمو على مستوى المشروع.
وقالت وهبة إنه “لا يزال هناك قدر لا بأس به من التمويل الناجح في أفريقيا”. وأضافت أن حسن علام للمرافق تستهدف شركات الاستثمار المباشر لتمويل مشاريعها واسعة النطاق، بينما تركز مشروعات الإنشاءات في السوق المحلية على تمويلات الديون من البنوك المحلية.
وبالنسبة للشركات الناشئة، فإن انحسار التمويل يدفعها إلى إظهار علالمات على الديناميكية: اختفت عقلية النمو بأي ثمن، وأدى هذا إلى اتباع نهج أكثر حكمة، حسبما يقول أسعد. وأضاف أسعد أن عددا قليلا من الشركات الناشئة المحلية أصدر سندات توريق في السوق. ورغم أنه من غير المرجح أن نشهد زيادة كبيرة في عدد إصدارات التوريق من جانب الشركات الناشئة، لكن “عندما تبدأ هذه الديناميكية في الحدوث… فإن ذلك يشجع أيضا المستثمرين الأجانب على المجئ والبحث عن الشركات ذات البصمة المحلية القوية. ونأمل أن يحدث هذا في مصر. سيستغرق الأمر بعض الوقت، وهناك جانب تجريبي تدريجي لذلك”.
وقال الخولي إنه بالنظر إلى المستقبل يحتاج المستثمرون إلى الانضباط والذكاء لإعادة توجيه المخصصات المالية بما يتماشى مع الظروف الصعبة التي تشهدها السوق اليوم والاستعداد للاهتمام المستقبلي بالأسواق عالية المخاطر. واتفقت وهبة على أن مصر قد تشهد تباطؤا في وتيرة المشاريع، لكن يحتاج المستثمرون إلى اختيار الأصول بعناية. وقال أسعد إن القيمة طويلة الأجل يجب أن تكون لها الأولوية في أذهان المستثمرين، مضيفا أن مؤسسي الشركات الذين يتلقون أموالا الآن لن يواجهوا منافسة في السوق فحسب، بل من المرجح أن يكونوا أكثر صمودا في مواجهة الأزمات.
