معضلة مشاركة الحسابات وأخلاقيات القرصنة في قطاع الترفيه: التلفزيون التقليدي يحتضر، وعائدات الإعلانات تتراجع، والبث المباشر لم يعد مربحا. والآن بعد أن ضرب الشلل هوليوود لأول مرة منذ أكثر من 60 عاما بسبب إضراب رابطتي الكتاب والممثلين وتوقف الإنتاج بشكل كبير، ربما لا تصبح خدمات البث مصدرنا الوحيد للترفيه فحسب، بل حتى مصدر الدخل الوحيد لشركات الإنتاج. هذه التغيرات يمكن كذلك أن تؤدي إلى تغير الأسعار والطريقة التي نستهلك بها المحتوى الترفيهي بشكل قانوني.

انتهى عصر مشاركة كلمات السر: شركة نتفليكس التي سبق وغردت بأن "الحب هو مشاركة كلمات السر"، عادت لتؤكد مؤخرا أن "الحساب مخصص للأشخاص الذين يعيشون معا في سكن واحد، وسيحتاج الأشخاص الذين لا يعيشون معك في السكن إلى التسجيل للحصول على حساباتهم الخاصة". العديد من منصات البث المباشر لجأت إلى حلول مختلفة للتعامل مع احتدام المنافسة مثل إضافة الإعلانات أو زيادة الأسعار (بعض الاشتراكات ارتفعت بنسبة 20-27%)، إلا أن نتفليكس كانت الوحيدة التي أوقفت مشاركة الحسابات.

لماذا تغيرت سياسات نتفليكس؟ حققت الشركة نجاحا ساحقا منذ إطلاقها خدمات البث وحتى العام الماضي، حين سجلت انخفاضا في عدد المشتركين للمرة الأولى منذ عقد كامل. هذا النجاح الضخم لفت انتباه العديد من شركات الإنتاج الطامعة في نصيب من كعكة الإيرادات، والتي قررت إطلاق منصاتها الخاصة والتوقف عن ترخيص ما تملكه من أعمال للعرض لدى الآخرين. وبعد رفع العديد من الأعمال من نتفليكس، وتراجع عدد المشتركين مع ازدياد عدد المنصات، بدأت الشركة الدفع بتغييرات كبيرة في سياساتها.

الآن بدلا من مشاهدة أفلامك ومسلسلاتك المفضلة كلها على منصة واحدة ، عليك الاشتراك في نتفليكس وديزني بلس وأبل تي فيوأمازون برايم فيديو، وربما هولو وبارامونت وماكس (المعروفة سابقا باسم إتش بي أو ماكس) إذا كنت تستخدم برامج في بي إن. وإذا كنت من محبي الأنمي، أضف إلى تلك القائمة منصتي كرانشي رول وفانيميشن.

لمعالجة ارتفاع فاتورة الاشتراكات الشهرية ، توصلت خدمات البث في الولايات المتحدة، والعديد منها مملوك لنفس الشركات، إلى إطلاق حزم البث التي تسمح بالاشتراك في مجموعة خدمات مثل ديزني بلس وهولو وإي إس بي إن بلس مقابل مبلغ شهري. إلا أن كل الباقات تشمل إعلانات، بما في ذلك الأعلى سعرا.

قرار منع مشاركة الحسابات لم يحظ بترحيب عالمي، لدرجة أن طرق الالتفاف حوله متاحة في كل مكان على الإنترنت . فقدت نتفليكس الكثير من مصداقيتها لدى المشتركين بسبب تراجعها عن مواقفها، مثل إضافة الإعلانات إلى بعض الاشتراكات رغم تشديدها السابق على عدم اللجوءإليها أبدا. هذه القرارات يمكن أن تُشعر المستخدمين بانتهاك الولاء المتبادل وغير المعلن مع المنصة، وربما يجد المستخدمون أنفسهم يتساءلون عن أخلاقيات القرصنة لدى الشركات. من غير الواضح ما إذا كانت خدمات البث تأخذ ذلك في الاعتبار عند اتخاذ هذه القرارات، ولكن الحقيقة أنها سيتعين عليها مواجهتها يوما ما.

لكن.. هل القرصنة فعل غير أخلاقي حقا؟ صحيح أن أغلب الآراء استقرت على ذلك، ولكن هذا ربما لا ينطبق على كل الحالات وكل الأوقات. يمكن أن نخوض نقاشا طويلا بشأن القرصنة في عالم الميديا، وكيف شكل التقدم التكنولوجي فهمنا لأخلاقيات استهلاك المحتوى. شبّ معظمنا في عصر صعود وسائل الإعلام الإلكترونية، وربما رأيتم واحدا من تلك الإعلانات التي تحذر من القرصنة قبل مشاهدة فيلم على شريط فيديو أو قرص دي في دي. لكن القرصنة ليست مجالا للنقاش القانوني فقط، بل الفلسفي أيضا.

القرصنة مقبولة أحيانا: توصلت دراسة شملت طلاب ماجستير القانون بجامعة هارفارد إلى أن معظمهم يعتقدون أن استهلاك المحتوى المقرصن عبر الإنترنت مقبول أخلاقيا. الدراسة شملت أكثر من 100 محام بغرض تقييم سيناريوهات القرصنة على مقياس من 1 (مقبول تماما) إلى 5 (مرفوض تماما). وتنوعت تلك السيناريوهات بين تحميل محتوى بطريقة يجرمها القانون (مثل مشاهدة الأفلام والمسلسلات على مواقع القرصنة)، أو القرصنة بغرض توفير النقود، أو بغرض الوصول لمحتوى تعليمي مدفوع أو ليس متاحا سوى في كتب غالية، أو تحميل محتوى لأغراض تجارية.

قبول القرصنة بحسب الظروف: يمكن اختصار الدراسة في أن "مشاركة الملفات عبر الإنترنت يحتل مكانة عالية نسبيا على مستوى القبول الأخلاقي بين المحامين، باستثناء وحيد هو انتهاك حقوق الملكية لأغراض تجارية". أما أقوى الدوافع وراء قبول القرصنة بحسب النتائج فكانت عدم الإتاحة القانونية، ونقص الموارد المالية، والأغراض التعليمية.

الأسئلة أكثر من الإجابات: ثمة كثير من الأسئلة عن الموازنة بين أولوية الربح لدى الشركات من جهة، وإتاحة الوصول إلى الأعمال الفنية ووسائل الإعلام من جهة أخرى. المؤكد أن التغييرات الكبيرة التي حدث في نظام الاشتراكات، والتي أثرت على أجور الكتاب والممثلين وملاءمة خدمات البث، قد أثارت نقاشا فلسفيا وقانونيا واقتصاديا معقدا سيعيد تشكيل طريقتنا في التعاطي مع وسائل الإعلام خلال السنوات المقبلة.

العلامات: