في ظل التضخم وتراجع قيمة الجنيه.. أين يصرف المصريون أموالهم؟ مع تزايد الضغوط التضخمية التي تؤثر بالسلب على دخل المصريين، تحول سلوك المستهلكين إلى منح الأولوية للإنفاق واتخاذ المزيد من القرارات الاستراتيجية لمحاولة تثبيت أنماط حياتهم كما هي، وفق تقرير مؤسسة نيلسن لأبحاث الاستهلاك(بي دي إف) عن الربع الأول من عام 2023. وفي حين أن قيمة الإنفاق الاستهلاكي آخذة في الارتفاع، يلاحظ التقرير ثبات حجم المنتجات المشتراة تقريبا، مما أدى في النهاية إلى نمو قيمة المبيعات في سوق السلع الاستهلاكية المصرية بنسبة 45.3% على أساس سنوي.
أهم ملاحظات التقرير: لا يمانع المستهلكون المصريون إنفاق المزيد من الأموال لشراء سلع كانوا يشترونها بأثمان أقل في السابق، لكنهم أقل استعدادا للإنفاق خارج المنزل (مثل الأكل في المطاعم والترفيه والملابس) وعلى تحسينات المنزل. كما ارتفع إنفاق المصريين (ليس طوعا بالضرورة) على المرافق، والمنتجات والبقالة الطازجة، والسلع والخدمات المتعلقة بالصحة وجودة الحياة، والنقل، والتعليم.
لننعش ذاكرتنا: تسارع معدل التضخم خلال الشهور الماضية، وارتفع بأسرع معدل له على الإطلاق في يونيو على خلفية سلسلة تخفيضات قيمة الجنيه وارتفاع الطلب الموسمي. وبلغ معدل التضخم السنوي في المدن المصرية 35.7% على أساس سنوي، بينما تسارع التضخم الأساسي الذي يستبعد السلع متقلبة الأسعار كالغذاء والوقود إلى 41% على أساس سنوي، من 40.3% في الشهر السابق.
أين يذهب الراتب؟ تشكل المواد الغذائية والبقالة الجزء الأكبر من نفقات المستهلك المصري. شهدت فئات مثل منتجات الألبان والوجبات الخفيفة انخفاضا في حجم المبيعات، لكن استهلاك الأطعمة والمشروبات التي لا تحتاج إلى تبريد زاد بشكل طفيف، ما يشير إلى تحول نحو الإنفاق الأساسي وتفضيل الاستهلاك المنزلي. ويتضمن ذلك تقليل النفقات المخصصة لتناول الطعام خارج المنزل والترفيه أيضا.
وقال أكثر من 50% من المستهلكين المصريين أن أكثر ما يشغلهم هو ارتفاع أسعار المواد الغذائية والبقالة، والتي تشكل الجزء الأكبر من نفقاتهم. وقد أدى ذلك إلى تحول كبير نحو استهلاك المنتجات المحلية ظهر في 43% من الفئات التي يتتبعها التقرير. وبدا ذلك واضحا بشكل خاص في استهلاك بنود مثل المنظفات والمكرونة والبسكويت والعناية بالبشرة والجبن والآيس كريم. ويدعم هذا التحول القدرة التنافسية من حيث التكلفة لدى المصنعين المصريين، إذ أن 58% من تلك المنتجات أرخص مقارنة بنظيراتها العالمية، وفقا للتقرير.
وجاءت المخاوف الأخرى للمستهلكين المصريين من الأعلى إلى الأدنى كالتالي: تكاليف المرافق، الانكماش الاقتصادي، نفقات الوقود والمواصلات. ولكن رغم هذه المخاوف، لا يزال حجم سوق السلع الاستهلاكية مستقرا. بشكل عام، يعتبر المستهلكون المصريون أقل تشاؤما مقارنة بالمتوسط العالمي؛ إذ أن نحو نصف المستهلكين العالميين (48%) يتوقعون أن تستمر اتجاهات الركود الحالية لفترة أطول من عام، في حين ينخفض هذا الرقم إلى 37% في مصر. ولا يتوافق هذا مع نتائج استطلاع قراء إنتربرايز الذي أجريناه في بداية عام 2023، والذي أظهر توقعات 38% من المشاركين بأن تتحسن الظروف الاقتصادية خلال العام الجاري، فيما لا يتوقع 37% ذلك، وكان نحو 25% منهم غير متأكدين مما سيحمله لنا 2023.
المستهلكون المصريون يحدون من إنفاقهم غير الأساسي، إذ قلص 50% منهم إنفاقه الموجه للإجازات و"الدليفري" و"التيك أواي"، والترفيه خارج المنزل. وأيضا، يعتقد 39% من المستهلكين أنهم سينفقون المزيد على التعليم، وهو ما يزيد عن المتوسط العالمي بعشر نقاط مئوية. ويتوقع أكثر من 30% من المستهلكين في مصر أيضا أن ينفقوا المزيد على منتجات البقالة الطازجة، وهو البند الأكبر في إنفاق المستهلكين المصريين.
لرؤية ذلك من منظور أوسع، فإن 53% من المستهلكين في مصر لديهم دخل يكفي فقط الإنفاق على الغذاء والمأوى والاحتياجات الأساسية (مقارنة بـ 58% من المستهلكين في تركيا، و24% من المستهلكين في السعودية). وعلى هذا النحو سنظل نشهد اتجاها من الإنفاق الرشيد، حيث يسعى المستهلكون إلى المزيد من أماكن التسوق والعلامات التجارية المحلية التي توفر أسعار معقولة، إضافة إلى التسوق فقط عن الضرورة وزيادة الاستهلاك داخل المنزل، حسبما تقول نهال القوصي العضوة المنتدبة لنيلسون لأبحاث الاستهلاك بمنطقة شمال أفريقيا والشام. هذه التحولات تشكلت من أجل الوصول إلى سيطرة أكثر فعالية على الدخل المتاح.