هل يمكن أن نعيش قريبا في عالم تخلو سمائه من الحياة؟ تتناقص أعداد ما يقرب من نصف أنواع الطيور على كوكب الأرض، بينما يدق الباحثون والهواة ناقوس الخطر منذ سنوات عديدة بشأن اختفاء مجموعات كبيرة من الطيور في جميع أنحاء العالم، معظمها نتيجة لتدمير بيئاتهم الطبيعية بفعل البشر وتغير المناخ. إلى جانب الشعور الكئيب لعالم تختفي منه الطيور وتتناقص أنواعها، يشكل تقلص أعداد الطيور أيضا تحديات خطيرة للنظم البيئية الطبيعية وللحياة الحضرية.
تشهد أعداد الطيور انخفاضا متسارعا منذ عشرات السنوات:منذ عام 1970، جرى تدمير نحو 29% من مجموعات الطيور (أو نحو 2.9 مليار طائر) في أمريكا الشمالية. في أوروبا، تقلصت أعداد الطيور بنحو 19% (أو 600 مليون طائر) وحتى الأنواع التي كانت تتواجد بأعداد وفيرة، مثل طائر السمامة وطائر الشنقب الشائع وغراب القيظ، تتجه بقوة نحو الانقراض. هذه الانخفاضات أكثر وضوحا في المناطق الريفية في أوروبا حيث اختفى 57% من الطيور. في حين أن بعض الأنواع قد شهدت بالفعل تعافي أعدادها في السنوات الأخيرة، فإن الصورة الأوسع لا تزال قاتمة: نحو واحد من كل 8 أنواع من الطيور يواجه الانقراض في جميع أنحاء العالم.
ليس غريبا أن يقع اللوم على البشر، فقد أدت الزراعة والتنمية الحديثة إلى تقليل المساحة الطبيعية المتاحة للطيور والأنواع الأخرى للعيش والصيد بأمان. ويعد فقدان الأراضي الرطبة من أجل التنمية - وهي الطبيعة المناسبة لأنواع عديدة من الطيور - جزءا فقط من المشكلة رغم خطورته. هناك العديد من العوامل البشرية التي تؤدي إلى نفوق أعداد ضخمة من الطيور سنويا، ومنها استخدام المبيدات الحشرية في الزراعة الحديثة، والتي تجعل من الصعب على الطيور اكتساب الوزن اللازم قبل هجرتها السنوية، والاصطدام بأبراج الاتصالات وخطوط الكهرباء وتوربينات الرياح والمباني الزجاجية. وهناك بالطبع أيضا الصيد الجائر، الذي يمكن أن يقضي بشكل شبه فوري على أسراب ضخمة من الطيور، وكذلك الأحداث المناخية المتطرفة الناتجة عن تغير المناخ مثل موجات الجفاف المتكررة وموجات الحر والفيضانات التي تفرض ضغوطا على قدرة الطيور على العثور على الطعام.
وفي مصر، غالبا ما تواجه الطيور المهاجرة تحديات خطيرة: أدت التقاليد والتراخي في تطبيق اللوائح البيئية في مصر إلى الإفراط فياستغلال الطيور المهاجرة وانخفاض أعدادها خلال العقد الماضي. عادة ما يقيم الصيادون شباكا على طول سواحل البحر الأبيض المتوسط لصيد الطيور المتعبة والمرهقة مثل السمان وعصفور الدوري الصغير والنقشارة والصفير الذهبي والطيور المغردة وطيور الشحرور المهاجرة من أوروبا إلى الجنوب. كان صيد الطيور في معظم تاريخنا نشاطا موجها بشكل أساسي نحو الغذاء، ما يعني أن تأثيره على أعداد الطيور في العالم ظل محدودا إلى حد كبير.
من الغذاء إلى الصناعة: في السنوات الأخيرة، أتاح بيع وتصدير الطيور المهاجرة للصيادين الذين يعيشون في المناطق الساحلية تدفقات دخل إضافية وحافزا إضافيا لتوسيع نطاق عملياتهم. العائد المادي من الصيد يتباين إلى حد كبير، فيباع زوج السمان بنحو 70 جنيها، في حين يصل سعر الأنواع النادرة والتي يزداد الطلب عليها مثل صقر الشاهين إلى نحو 10 آلاف دولار.
يحدث هذا على نطاق واسع بشكل متزايد: أشارت التقارير السابقة إلى أن الشباك التي تهدف إلى اصطياد الطيور المهاجرة تصطف على مسافة 700 كيلومتر تقريبا من الساحل المصري خلال الخريف، ويقدر أنها تصطاد ما لا يقل عن 140 مليون طائر سنويا وفقا لتقدير أحد علماء الأحياء. لا تشمل هذه الأرقام العديد من الوسائل الأخرى لصيد الطيور في مصر مثل البنادق والفخاخ وشباك الأشجار، والتي تعد في كثير من الحالات انتهاكا للوائح البيئية الحالية لدينا.
في غياب الطيور سيعاني طعامنا ونظامنا البيئي. تساعد الطيور في مكافحة الآفات، وتلقيح الأزهار، وتنشر البذور وتجدد الغابات، وغالبا ما تبدأ المناطق الطبيعية التي تغيب عنها الطيور في التدهور. تساعد الطيور البحرية في دورة الغذاء بين اليابسة والبحر وتساهم في صحة الشعاب المرجانية. تأكل الطيور الآكلة للحشرات نحو 400-500 مليون طن من الحشرات كل عام وتساعد على منع أعدادها من الانفجار. دون الطيور، قد نشهد انخفاضا بنسبة 46% في إنتاج الفاكهة والبذور في جميع أنحاء العالم، وفقا لإحدى الدراسات.
يعد توسيع جهود الحفظ أمرا ضروريا للحفاظ على أعداد الطيور: من منظور عالمي، يعد توسيع مناطق المحميات، التي يمنع فيها الصيد والبناء، والعمل على استعادة مواقع الأراضي الرطبة التي تضررت على نطاق واسع خطوة أولى حاسمة. وعلاوة على ذلك، من المهم أيضا تقييد استخدام المواد الكيميائية في الزراعة وإعادة تصميم المباني لتقليل احتمالية اصطدام الطيور بالنوافذ الزجاجية. يجادل بعض نشطاء البيئة أيضا أنتقييد القطط، التي غالبا ما تفترس الطيور، من التجوال في الأماكن المفتوحة يمكن أن يساعد أيضا.
نجحت العديد من هذه الحلول من قبل، لكنها مكلفة: بين عامي 1993 و2020، أعيد بنجاح نحو 48 نوعا من الطيور والثدييات منحافة الانقراض بفضل جهود نشطاء البيئة الذين حشدوا الحملات السياسية والتبرعات المالية اللازمة لحماية الأنواع المعرضة للخطر. دون بعض هذه الجهود، التي تتضمن انفاق مليارات الدولارات، ربما كان معدل الانقراض ليكون أكبر بثلاث إلى أربع مرات.
جهود الحفظ المحلية هنا محدودة: على الرغم من الجهود السابقة التي بذلتها وزارة البيئة والجماعات البيئية في مصر لحماية الطيور المهاجرة، فإن محدودية الموارد والقيود التمويلية وضعف التنفيذ أضعف جهود الحفظ. وضعت منظمات مثل الجمعية المصرية للحفاظ على البيئة ومؤسسة بيرد لايف إنترناشونال عدة توصيات محددة لكيفية منع أعداد الطيور من الانهيار، لكن الصيد في مصر كان من الصعب التعامل معه بشكل جيد، ويرجع ذلك أساسا إلى مدى ربح الصيد في غياب مصادر بديلة للدخل. ولكن لا تزال هناك مبادرات مثل مشروع الطيور الحوامة المهاجرة التابع لوزارة البيئة.