الدعوات العالمية لإعفاء الديون تصل إلى أوجها: أدت دورة التشديد النقدي العالمي المستمرة التي يقودها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى زيادة كبيرة في تكلفة الاقتراض وإجهاد الدول النامية ماليا، مما أثار القلق بشأن الحاجة إلى تخفيف الديون السيادية. وقفز الدين العالمي إلى 305 تريليون دولار في الربع الأول من عام 2023 ليقترب بشدة من المستوى القياسي (306 تريليون دولار)، وفق معهد التمويل الدولي. كما أن مصر عليها التزامات نحو ديونها المتزايدة، إذ ذكر وزير المالية محمد معيط أمام مجلس النواب الشهر الماضي أنه من المتوقع أن ترتفع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 96% بنهاية العام المالي الحالي في يونيو، من 87.6% في العام المالي الماضي. وتتوقع الحكومة أيضا زيادة حجم الاقتراض الجديد بنسبة 22% في العام المالي 2024/2023.

كيف وصلنا هنا؟ تسببت الرياح المعاكسة التي ضربت الاقتصاد العالمي، من جائحة "كوفيد-19" وحتى الحرب الروسية الأوكرانية، إلى الضغط على الموارد المالية لدى الاقتصادات الناشئة وبالتالي اضطرارها لاقتراض المزيد من الديون. وصول الديون إلى هذه المستويات غير المستدامة يأتي في ظل رفع البنوك المركزية أسعار الفائدة لكبح جماح التضخم المتزايد، وهو ما يؤدي إلى زيادة تكلفة الديون على الدول المقترضة. وسبق أن حذر رئيس مجموعة البنك الدولي ديفيد مالباس في ديسمبر الماضي من "الحاجة إلى مقاربة شامل لتخفيف الديون ... لأن دونها، ستواجه العديد من الدول والحكومات أزمة مالية وعدم استقرار سياسي، مع احتمال وقوع الملايين في براثن الفقر".

ربما حان وقت تخفيف الأعباء: مع وصول الديون العالمية إلى مستوياتها الحالية، وزيادة عدم اليقين بشأن قدرة بعض الدول على السداد، ظهرت دعوات لتنفيذ برامج تخفيف أعباء الديون عن طريق إلغاء الديون السيادية لبعض البلدان أو خفضها أو إعادة هيكلتها بالكامل. هذه البرامج تتضمن في العادة مفاوضات بين البلد المدين ودائنيه، سواء كانت مؤسسات مالية دولية أو مقرضين ثنائيين أو من القطاع الخاص. ومن أوائل نماذج برامج تخفيف الديون "مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون"، التي أطلقها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي عام 1996 لتخفيف عبء الديون عن أفقر دول العالم. وسعت كل من تشاد وزامبيا وإثيوبيا وغانا إلى الحصول على إعفاء من الديون بموجب إطار عمل مجموعة العشرين، وقد تنضم إليها "أربع أو خمس" دول أفريقية أخرى قريبا، على خلفية ارتفاع أسعار الفائدة وزيادة قوة الدولار، حسبما قال مسؤول أممي مطلع العام الجاري.

أحدث مبادرات تخفيف عبء الديون: أطلقت مجموعة العشرين مبادرة لتعليق خدمة الدين في عام 2020 لتقديم الدعم المالي المناسب للبلدان المتضررة بشدة من جائحة "كوفيد-19". وبحلول فبراير 2020، كانت هناك 48 دولة مؤهلة للاستفادة من البرنامج، وجرى تعليق ما مجموعة 12.9 مليار دولار من مدفوعات خدمة الديون، وفقا لبيانات البنك الدولي. وقدم دائنو نادي باريس ما يقدر بنحو 4.6 مليار دولار من إجمالي المبلغ الذي جرى تعليقه. وبعد بضعة أشهر، أطلقت مجموعة العشرين إطار العمل المشترك لمعالجات الديون خارج إطار مبادرة تعليق خدمة الدين، لتشمل إعادة هيكلة الديون وإشراك المقرضين غير الأعضاء في نادي باريس جنبا إلى جنب مع الدائنين من القطاع الخاص، في محاولة لضمان تقاسم أعباء الديون بشكل عادل بين جميع الدائنين، حسبما ذكرت ستاندرد أند بورز جلوبال.

عدم تخفيف عبء الديون أو تأجيله قد يعني أن العديد من البلدان النامية ستتخلف عن السداد: البلدان التي تواجه تأخيرات في تخفيف عبء الديون عن كاهلها أو التي لا تستطيع الحصول على تخفيض لديونها قد تتعرض لخطر التعثر، ما يجعلها غير قادرة على سداد أصل الدين أو فوائده أو كليهما. وتؤدي حالات التخلف عن السداد إلى انخفاض التصنيفات الائتمانية وارتفاع تكلفة الاقتراض، ما يجعل من الصعب للغاية على المتعثرين الوصول إلى سوق السندات الدولية. وعادة ما تواجه تلك البلدان في دائرة ارتفاع تكاليف الاقتراض الجديدة، ومحدودية الوصول إلى التمويل وانخفاض ثقة المستثمرين، حسبما يذكر معهد تمويل الشركات.

تخلفت بالفعل سريلانكا وروسيا وزامبيا ولبنان عن سداد ديونها مؤخرا، في حين تقف بيلاروسيا على شفا التعثر. وذكرت وكالة بلومبرجفي مايو أن 18 دولة نامية يجري تداول ديونها حاليا عند مستويات "التعثر"، ويتصدر لبنان تلك المجموعة، إذ تتداول ديونه بفارق 20 ألف نقطة أساس مقارنة بسندات الخزانة الأمريكية. ومع وجود نحو 1.4 تريليون دولار من السندات الخارجية السيادية القائمة حاليا، تواجه نحو 15% منها "احتمالية حقيقية" للتخلف عن السداد.

العلامات: