الدعوة إلى إقامة اقتصاد يعطي الأولوية لجودة الحياة ستبدو دعوة جذرية بل وربما ساذجة، ولكن تلك هي وعود اقتصاد الرخاء. صُمم ذلك النظام ببساطة لخدمة الناس ورعاية البيئة لا لشيء آخر، وكل القواعد و القوانين والمحفزات تحت مظلته غرضها ضمان حياة مزدهرة لكل الناس والعيش في تناغم مع الكوكب وأن يأخذ كل إنسان نصيبه من السكينة وراحة البال والأمان والسعادة، بحسب الرؤية التي يروج لها تحالف اقتصاد الرخاء.

صمم الناس القواعد والمؤسسات التي تنظم الاقتصاد، ولذلك يمكننا إعادة تصميم تلك القواعد بما يخدم صالح الناس والكوكب، بحسب ما تقول مؤسسة الاقتصادات الجديدة وهي مركز بحثي مقره في المملكة المتحدة ويهتم بتعزيز العدالة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. وتروج المؤسسة فكرة تحويل الاقتصاد لخدمة الناس والكوكب من خلال ممارسات مثل الإنتاج المشترك، وتحليل تدفق الأموال على المستوى المحلي، وتعزيز العوائد الاجتماعية على الاستثمار، ودعم الاستثمار الأخلاقي والمراقبة الاجتماعية، فضلا عن تأسيس مجموعة واسعة من المؤسسات لنشر تلك الأهداف.

يعتبر الناتج القومي الإجمالي هو المؤشر الرئيسي لقياس التقدم الاقتصادي، ولكن معايير هذا المؤشر تستبعد الاستدامة، بحسب ما قالته مياتا فمبولا الرئيسة التنفيذية لمؤسسة الاقتصادات الجديدة (شاهد: 1:19). منذ عام 1953، أصبح الناتج المحلي الإجمالي هو المقياس في نظام معقد تقوم عليه الدول تحت إشراف الأمم المتحدة، ولكن الحرب العالمية الثانية كانت هي الحدث الذي أدى إلى تطوير المؤشر بسبب رغبة الدول في تحديد قدرتها على الإنفاق العسكري في الحرب، بحسب ما ورد في مقالة مشتركة لأستاذ الإحصاء الزائر في إمبريال كوليدج لندن بول ألين وأستاذة السياسة العامة بجامعة كامبريدج ديان كويل، وأستاذ التنمية المستدامة بجامعة سري ومدير مركز فهم الرخاء المستدام تيم جاكسون.

معيار معيب: يمكن أن يتضمن الناتج المحلي الإجمالي مقاييس "سيئة" لها تداعيات تؤثر سلبا على جودة حياتنا مثل الحرب والتلوث والجريمة والازدحام المروري والكوارث الطبيعية، وقد يكون لمثل هذه المقاييس تأثير إيجابي على الناتج القومي الإجمالي بحسب ألين وزميليه. وبالتالي، فإن السعي الحثيث وراء الناتج المحلي الإجمالي باعتباره هدفا سياسيا يزيد من احتمالية تدمير العالم الطبيعي وله عواقب وخيمة على المناخ وربما يؤدي إلى انهيار أسواق مالية عالمية، كما يتجاهل هذا المعيار التحولات التكنولوجية في المجتمع.

"حان الوقت لنركز على قياس جودة حياة الناس بدلا من قياس الإنتاج الاقتصادي"، وذلك بحسب تقرير لجنة قياس الأداء الاقتصادي والتقدم الاجتماعي التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والتي يرأسها جوزيف ستيجلز وأمارتيا سن وجان بول فيتوسى، وقد أدى هذا التقرير إلى نقاش عالمي عن حدود الناتج المحلي الإجمالي كمعيار لقياس جودة حياة الناس. وإن التركيز على المعايير المعينة يعني ببساطة أن الحكومات ستتبع سياسات معيبة لها تداعيات طويلة الأمد مثلما حدث في الأزمة المالية لعام 2008، بحسب ما ورد في دراسةمشتركة أعدها ستيجلز وفيتوسى ومارتين دوراند الذين يتولون رئاسة مجموعة الخبراء في لجنة قياس الأداء الاقتصادي والتقدم الاجتماعي.

ما يزال الناتج المحلي الإجمالي صالحا لتحليل أداء الاقتصاد الكلي بحسب الخبراء الاقتصاديين، ولكن اقتصاد الرخاء قد يكون الأجدر على قياس التقدم الاجتماعي ورسم صورة لحياة البشر وتجاربهم. ولا يغفل النموذج الاقتصادي الجديد أهمية النمو بل يركز عليه ولكن من خلال إعطاء الأولوية للامتيازات الاجتماعية والاقتصادية. وتتنوع استراتيجيات النموذج الجديد ما بين تقليل الإنتاج الذي يمكن الاستغناء عنه، وتحسين الخدمات العامة، وتوطيد الوظائف التي تدعم الاقتصاد الأخضر، وتقليل ساعات العمل لضمان التنمية المستدامة، بحسب ما اقترحه مجموعة من الكتاب في نيتشر.

اسكتلندا نموذجا: نشر حمزة يوسف الذي تولي رئاسة وزراء البلاد مؤخرا تغريدة قال فيها إن أولويات الحكومة ستتضمن "القضاء على الفقر بين الأطفال والاعتماد على اقتصاد الرخاء"، كما عيّن أول نيل جراي ليكون أول وزير لاقتصاد الرخاء والعمل العادل والطاقة. وفي عهد رئيسة الوزراء السابقة نيكولا ستارجن وضعت الحكومة الاستراتيجية الوطنية للتحول الاقتصادي، وهي الخطة التي تنص على اتباع سياسة اقتصادية خلال العقد المقبل تهدف إلى تحقيق الهدف الأكبر المتمثل في بناء اقتصاد الرخاء.

كانت اسكتلندا عضوا مؤسسا في شراكة الحكومات من أجل اقتصاد الرخاء إلى جانب أيسلندا ونيوزيلندا ،وانضمت مؤخرا كندا وويلز وفنلندا. وقد بدأت كثير من الدول الاسكندنافية تتخذ خطوات مشابهة، بحسب ما ذكرت ذا ناشيونال. وتهدف هذه الشراكة إلى "تشارك الخبرات والسياسات التي يمكن الاقتداء بها لدعم تطلعات الأعضاء إلى بناء نظام اقتصادات الرخاء"، كما تهدف الشراكة إلى العمل من خلال "مختبرات السياسات" التي تمكن ممثلي الحكومات من تبادل الخبرات في قضايا السياسات المشابه.

على أرض الواقع، نجد أن المؤسسات الاجتماعية والمشروعات الاستثمارية المملوكة للعمال تميل لاستخدام سلاسل إمداد محلية ونماذج مصرفية أخلاقية تعطي الأولوية الاستثمارات الصديقة للبيئة وتتسم بقدر أكبر من الديمقراطية مقارنة بالحكومات، وتعد كل هذه العناصر من الأمثلة الحية على اقتصاد الرخاء بحسب البرلمان الاسكتلندي. ويقترح الداعمون لهذا النظام توجيه الاستثمار إلى "الرؤوس الأربعة"؛ رأس المال البشري ورأس المال الاجتماعي ورأس المال المالي ورأس المالي الطبيعي وهي كلها ضرورية من أجل تحسين جودة الحياة الآن ومستقبلا.

ما هي آلية القياس؟ تعتمد اسكتلندا على مرصد اقتصاد الرخاء لقياس مدى نجاح النظام الجديد الذي يتضمن بعض المعايير مثل انخفاض عدد الوفيات التي يمكن تجنبها، انخفاض التفاوت في الأجور بين الجنسين، وزيادة الاستثمار(ويقاس من خلال إجمالي تكوين رأس المال الثابت باعتباره نسبة في الناتج الإجمالي المحلي)، وتقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

يقيس مؤشر السعادة العالمي استدامة جودة الحياة في كل بلد على حدة، ويصنف المؤشر الدول بحسب قدرتها على توفير "حياة سعيدة وطويلة في ظل الموارد البيئية المحدودة ". ويقوم المؤشر بحساب (بي دي إف) متوسط العمر المتوقع في بلد معين ومستوى الرخاء الذي يشعر به المواطنين والبصمة البيئية باستخدام بيانات جُمعت على مدار 15 عاما.

حصدت مصر وفقا للمؤشر 43.2 نقطة وجاء ترتيبها في المرتبة الـ 86 من بين 152 دولة. ويبلغ متوسط عمر الفرد في مصر 72 عاما وتعداد سكانها أكثر من 100 مليون نسمة. أما مستوى الرخاء الذي يشعر به المواطنين فقد وصل إلى 4.33 نقطة من أصل 10 نقاط، وسجلت البصمة البيئية 1.67 هكتار عالمي. وكان أعلى قراءة لسعادة المصريين قد سجلت في عام 2007 وفقا لبيانات مؤشر السعادة العالمي عندما سجل المؤشر 49.5 نقطة. وظلت التغيرات على البصمة البيئية طفيفة خلال 15 عاما، إذ تراوحت ما بين 1.74 هكتار عالمي و1.93 هكتار عالمي.

كيف تحسب اقتصاد الرخاء الخاص بك: طلبت وحدة العلوم التابعة للحكومة البريطانية من مؤشر السعادة العالمي تحديد العوامل الرئيسية التي يتحدد من خلالها الرخاء الفردي وأفضى ذلك إلى خمسة عوامل أساسية: الاتصال، والنشاط، وإدراك النعم، واستمرارية التعلم، والعطاء. وقد ثبت أن كل هذه العوامل لها تأثير إيجابي، ولذلك جرّب اختبار الطرق الخمسة واعرف ما الذي يمنعك من السعادة.