هل اقترب عصر الرقابة الرأسمالية من النهاية؟ عملت شركات قطاع التكنولوجيا خلال السنوات الماضية على تسليع المعلومات الشخصية للمستخدمين وجعلت منها مصدرا مهما للإيرادات. إذ أطلقت تلك الشركات إعلانات موجهة لكل مستخدم وفقا لمجموعة من المعلومات الشخصية عن سلوكه الرقمي مثل نوع مقاطع الفيديو التي تجذب اهتمامه على إنستجرام أو نوع الروابط التي يختار الضغط عليها في فيسبوك. وحققت شركة ميتا مثلا إيرادات بلغت 118 مليار دولار في عام 2021 من هذه الإعلانات بحسب نيويورك تايمز. لطالما ارتبط مصطلح الرقابة الرأسمالية الذي صاغته المؤلفة الأمريكية والأستاذة بجامعة هارفارد شوشانا زوبوف في عام 2014، بمجموعة من المخاوف والمحاذير الأخلاقية المتعلقة بالتعدي على الخصوصية والديمقراطية واستقلال الفرد. ولكن شهدنا مؤخرا تغييرا على صعيد التشريعات والممارسات المتعلقة بالإعلانات قد ينبئ باستحداث نوع من الرقابة على إساءة استخدام البيانات الشخصية للمستخدمين.
رياح التغيير تعصف بشركة ميتا: وقع الاتحاد الأوروبي في الرابع من يناير الماضي غرامة قدرها 414 مليون دولار على شركة ميتا بسبب انتهاك قواعد اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR)، وأعلن الاتحاد الأوروبي أن العملاق التكنولوجي أجبر المستخدمين بطريقة مخالفة للقانون على قبول معالجة معلوماتهم لاستهدافهم بإعلانات موجهة من خلال تعمد الإطالة في قائمة الشروط. وإن الحكم الذي طالب ميتا بتعديل نموذج الإعلانات المتبع قد يؤدي إلى خسارة الشركة لنحو 5% إلى 7% من إجمالي إيرادات الإعلانات. وفي هذا السياق، قال الناشط في مجال الخصوصية جوني رايان في حديثه لموقع وايرد إن الحكم يمثل “بداية النهاية لعصر البيانات المستباحة”.
سياسة أبل الجديدة تهدد أرباح الشركات: أعلنت شركة أبل في عام 2021 عن نيتها إضافة خيار جديد لمستخدمي هواتفها يتضمن سؤال مباشر عن موقفهم من السماح بتتبع بياناتهم من خلال التطبيقات المختلفة من أجل إعداد الإعلانات الموجهة. وربما تؤثر تلك السياسة الجديدة على إيرادات الشركات التي تعتمد على تتبع بيانات المستخدمين واستعمالها في إعداد الإعلانات الموجهة، وتأتي شركة ميتا على رأس تلك الشركات وقد أعلنت بالفعل في فبراير 2022 ضمن البيانات الخاصة بقوائمها المالية (بي دي إف) أن سياسة أبل الجديدة قد يكون لها “تأثير سلبي كبير” يصل إلى خسارة 10 مليارات دولار.
تعمل جوجل أيضا على صياغة استراتيجية جديدة لملفات تعريف الارتباط (الكوكيز)، إذ أعلنت الشركة عزمها على التخلص تدريجيا من ملفات تعريف الارتباط للأطراف الخارجية بحلول النصف الثاني من عام 2024 في متصفح كروم. ويأتي ذلك استجابة لمبادرة “Privacy Sandbox” لحماية الخصوصية والتي تهدف إلى وضع معايير تحدد طريقة تتبع المواقع لبيانات المستخدمين من دون التعدي على الخصوصية. وتعد ملفات تعريف الارتباط للجهات الخارجية مشابه للملفات التي يطلب الطرف الأول تتبعها، فهي مجموعة بسيطة من البيانات التي تخزنها المواقع على جهاز المستخدم من خلال تتبع نشاط التصفح الخاص به. تساعد ملفات الطرف الأول على تحسين تجربة المستخدم من خلال حفظ بيانات مفيدة بيانات تسجيل الدخول وتفضيلات اللغة ومنتجات عربة التسوق، أما ملفات الطرف التالت فهي عادة ما تكون من نصيب المعلنين ويتولون تصميمها بأنفسهم لضمان كفاءة الإعلانات الموجهة. وقد سبق أن بادر عدد من برامج التصفح باتباع هذه السياسة مثل سفاري وفيَرفُكس وبريف وحجبت ملفات تعريف الارتباط للجهات الخارجية منذ سنوات.
ليس بهذه السرعة يا جوجل: تتضمن خطة الشركة للتخلص من ملفات تعريف الارتباط بديلا يسمى “Topics“، وهو نظام جديد يحلل سجل التصفح للمستخدم كي يشارك الموضوعات التي تهمه – مثل اللياقة البدنية أو السفر – مع مواقع الويب وشركائها الإعلانيين. ويزعم مطورو هذا النظام أنه يمنح المستخدم مزيدا من الخصوصية والتحكم عن طريق إخفاء مواقع ويب محددة زاروها وتمكينهم من إزالة موضوعات بعينها أو إلغاء خاصية مشاركة الموضوعات تماما. ومع ذلك، لا ينهي نظام “Topics” بالكامل خطر قيام مواقع الويب بالكشف عن البيانات الشخصية، إذ تقول جوجل: “لا يزال من الممكن أن تقوم مواقع الويب التي تستدعي واجهة برمجة التطبيقات (API)، بدمج أو ربط الموضوعات بإشارات أخرى لاستنتاج معلومات حساسة خارج نظام الاستخدام المقصود”.
الرقابة الرأسمالية منتشرة أكثر مما يبدو. “انتشر هذا المنطق الاقتصادي حاليا إلى ما هو أبعد من شركات التكنولوجيا… في كل قطاع اقتصادي تقريبا، من شركات التأمين إلى الصحة والتعليم والتمويل، إلى كل منتج يوصف بأنه ذكي، وكل خدمة توصف بأنها مخصصة”، حسبما قالت زوبوف لصحيفة هارفارد جازيت. وعلى سبيل المثال، فإن أجهزة التنفس التي تساعد المرضى الذين يعانون من اضطرابات النوم، ترسل بيانات المستخدمين إلى شركات التأمين الصحي، والتي ترفض تقديم الخدمات التأمينية للمرضي الذي لا يستخدمون تلك الأجهزة. وفي الوقت نفسه، توصلت شركة متاجر التجزئة العملاقة تارجت في الولايات المتحدة إلى طريقة لتحليل بيانات الشراء التاريخية لعملائها لمعرفة السيدات الحوامل كي تتمكن لاحقا من بيع منتجات الأطفال لهن.
المستقبل يبقى غامضا. في حين يدافع البعض عن اقتصاد خيار المشاركة، الذي يتيح للمستخدمين اختيار من يشاركون معه بياناتهم، فإن آخرين يؤيدون الإعلانات السياقية الخالية من أدوات التتبع التي تعرض إعلاناتها في أماكن قد تكون محل اهتمام العميل المستهدف، مثل إعلان مضمن لفولكس فاجن داخل مقال عن السيارات، وفقا لموقع وايرد. ويعد حكم الاتحاد الأوروبي ضد شركة ميتا، والتقدم الذي أحرزته شركات التكنولوجيا عبر طلب موافقة المستخدم المسبقة، من المعالم المهمة التي قد تساعد في كبح جماح الرقابة الرأسمالية، و”لكن مع وجود الإعلانات المخصصة كجزء من نظام بديل، فإن ما قد يأتي بعد ذلك قد لا يكون مختلفا إلى هذا الحد”، حسبما كتب وايرد.