فرار جماعي لسكان الخرطوم مع استمرار القتال في العاصمة لليوم الخامس على التوالي. جرى الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار لمدة 24 ساعة الليلة الماضية، ولكن ذلك الاتفاقلم يصمد طويلا، إذ جرى خرقه بعدها بساعات فقط. كانت الهدنة المقترحة بوساطة دولية تهدف إلى تعزيز الوصول إلى المساعدات الإنسانية، ومنح المدنيين المحاصرين في مناطق النزاع ممرا آمنا للخروج منها. قتل ما لا يقل عن 270 شخصًا في الاشتباكات حتى الآن، والتي تتبادل القتال فيها القوات المسلحة السودانية النظامية ومجموعة قوات الدعم السريع شبه العسكرية بقيادة محمد حمدان دقلو الملقب بحميدتي.

الخلاف حول مستقبل قوات حميدتي أشعل الصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. في أواخر 2022، وقع حميدتي وبرهان والعديد من الأحزاب السياسية اتفاقا إطاريا – بدعم من الأطراف الدولية -، وكان من المفترض أن تتخذ جميع الأطراف خطوات نحو تخفيف التوترات، والعمل على استعادة الانتقال الديمقراطي بقيادة مدنية. كان ينبغي أن يمهد هذا الطريق للمرحلة التالية من المحادثات، والتي ستشهد دمج قوات الدعم السريع في الجيش السوداني. ووفقا لما نقلته قناة العربية عن مصادرها فإن تمركز قوات الدعم السريع منذ أوائل رمضان في منطقة مروي بالولاية الشمالية السودانية دون تنسيق مع قوات الجيش السوداني هو ما أجج الصراع، خاصة في ظل عدم التوافق بشأن سبل دمج قوات الدعم السريع في الجيش السوداني.

ثم هناك سؤال حول من يعطي الأوامر لقوات الدعم السريع خلال المرحلة الانتقالية، يصر مفاوضو قوات الجيش السوداني على أن تكون قوات الدعم السريع تحت السلطة المباشرة لقائد القوات المسلحة عبد الفتاح البرهان، في حين تطالب قوات الدعم السريع بأن تكون تحت قيادة رئيس الحكومة المدنية المقبلة.

كانت التوترات بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع تظهر دائما على السطح منذ انفراد العسكريين بالسلطة في عام 2021الذي أطاح بالحكومة المدنية بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك. وساهمت الضغوط الدولية في توسيع هوة الخلاف بين الجانبين. وفي الأشهر القليلة الماضية، اعترف دقلو أن الانقلاب كان “خطأ“، كما دعم حملة دولية لإبعاد القوات المسلحة السودانية من المشهد السياسي والحكم، وإعادة تأسيس حكم مدني موثوق.

خلاف أقدم: شكل نظام الرئيس المخلوع عمر البشير قوات الدعم السريع من مقاتلي القبائل المتحالفين مع الحكومة في عام 2013، وسرعان ما لمست قيادات القوات المسلحة تفضيلا لقوات الدعم السريع خصوصا من ناحية الحوافز. لكن على الرغم من ذلك، كان الفريقان يعملان على حل الخلافات بينهما خلف الأبواب المغلقة.

تبادل الاتهامات: بينما من غير المعلن كيف بدأت الاشتباكات، يقول حميدتي وقواته إنهم أجبروا على الدفاع عن أنفسهم بعد تطويقهم من جانب قوات الجيش السوداني (شاهد 1:47 دقيقة)، في حين تقول قوات الجيش السوداني أن قوات الدعم السريع بدأت بحشد قواتها وتحركت نحو عدة مناطق “دون موافقة قيادة القوات المسلحة أو مجرد التنسيق معها“. وشددت قوات الجيش السوداني في بيانات لاحقة إنها “لم تبدأ العدوان.. وتعرضت للهجوم من القوات المتمردة”.

انتشر القتال سريعا في مختلف المناطق السودانية لكن الخرطوم كانت مسرحا لأعنف الاشتباكات: استمرت المعارك في الخرطوم من أجل السيطرة على مقر القيادة العامة للقوات المسلحة ومطار الخرطوم الدولي ومقر الإذاعة والتلفزيون، ولم تحسم بعد. وجرى تعليق جميع الرحلات الجوية من وإلى السودان. واستمر موقع فلايت رادار 24في إظهار سماء السودان خاوية. وجرى تدمير طائرات مدنية وعسكرية في مطار الخرطوم الدولي بحسب صور للأقمار الصناعية بثتها بي بي سي. وعجت المستشفيات بالمصابين جراء المعارك. ويواجه سكان الخرطوم حاليا صعوبة في الحصول على احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والمياه النظيفة.

ردود أفعال من حول العالم: تباينت ردود أفعال القادة الدوليين ما بين الإحباط والترقب، خاصة بعد اتفاقية وقف إطلاق النار قصيرة المدى. أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ بالأمم المتحدة مارتن جريفيث، عمليات القتال في السودان، كما ندد وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن على هامش قمة مجموعة السبع في اليابان، بما حدث للبعثة الدبلوماسية الأمريكية في السودان، وشدد على ضرورة وقف إطلاق النار والعودة إلى المباحثات الهادفة إلى تشكيل حكومة مدنية.

.. وفي مصر: دعت وزارة الخارجية المصرية في بيان لها، لوقف فوري للقتال والأعمال العدائية، وأكدت على ضرورة تغليب لغة الحوار. وفيما يتعلق بالجنود المصريين في بلدة مروي بشمال السودان، فقد تعهدت قوات الدعم السريع على التعاون مع مصر بشأن عودتهم سالمين، وصرحت القوات في وقت سابق من اليوم، أن الجنود سيتم نقلهم إلى الخرطوم، ومن ثم مصر. وكان الرئيس السيسي قد أكد في كلمة له (شاهد، 4:40 دقيقة) أن الجنود المصريين كانوا متواجدين بالسودان في إطار مهمة تدريبية مشتركة، وليس تعزيزا لموقف أي جانب من الجانبين.

لماذا يعد الموقف حساسا بالنسبة لنا؟ يجمع مصر والسودان تاريخا طويلا من العلاقات الجيوسياسية والاقتصادية المتشابكة، ولطالما كانت السودان حليفا سياسيا للقاهرة، إذ توفر عمقا استراتيجيا لمصر في أفريقيا. تزايدت أهمية تلك العلاقة مؤخرا، خاصة في ظل توقف المباحثات مع إثيوبيا فيما يتعلق بالجدول الزمني لملء خزان سد النهضة.