تلعب الشركات الصغيرة والمتوسطة دورا مهما في الاقتصادات الوطنية من خلال توفير فرص العمل ودفع الابتكار. على عكس المؤسسات الكبيرة، تعرف الشركات الصغيرة والمتوسطة بكونها أكثر ذكاء ورشاقة، ما يسمح لها بالتكيف مع تغيرات السوق بسرعة أكبر. وعادة ما تحافظ أيضا على تكاليف عامة منخفضة، ما يمنحها ميزة تنافسية إضافية مقارنة بنظيراتها الأكبر حجما.
في الأسواق الناشئة على وجه التحديد، تقدم الشركات الصغيرة والمتوسطة مزايا إضافية كمحفزات للتنمية الاجتماعية والاقتصادية. ووفقا لفيوتشر بيزنس جورنال، فإن هذه الأنواع من الأعمال تولد الدخول وتخلق غالبية الوظائف في السوق، وتمثل ما يصل إلى 70% من فرص العمل الجديدة في الاقتصادات الناشئة. وباعتبارها العمود الفقري لاقتصاد سليم، فإن الشركات الصغيرة والمتوسطة مسؤولة عن 60% و75% من الوظائف في قطاعي التصنيع والخدمات، على الترتيب، وفقا لتقرير صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. إضافة إلى ذلك، تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تولد ما بين 50% و60% من الخدمات ذات القيمة المضافة في المتوسط في الاقتصادات الناشئة، ما يسهم في ما يصل إلى 33% من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي ظل التأثير الكبير لسوق الشركات الصغيرة والمتوسطة على الاقتصاد، من الضروري دعم صحة واستدامة هذا النظام البيئي. إلا أن وصول الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى الخدمات المالية حاليا لا يزال مقيدا بشدة في العديد من الدول النامية، ما يحد بدوره من نمو هذه الاقتصادات. في الشرق الأوسط وخارجه، تلعب المؤسسات المالية الرائدة التي تتمتع بوضع جيد لتقديم حلول ائتمانية دورا رئيسيا في تعزيز مشهد الشركات الصغيرة والمتوسطة وتحقيق كيانات كبرى من خلال حملات التمويل المستهدفة.
الآثار المتتالية للشركات الصغيرة والمتوسطة في جميع أنحاء الاقتصاد والتوافق مع الأهداف الاقتصادية الأوسع
لدعم قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة عبر مختلف قطاعات الاقتصاد، يجب على البنوك الخاصة اتخاذ خطوات فعالة لتوفير برامج المساعدة المالية التي تساعد المؤسسات على دعم رأس مالها التشغيلي، بما في ذلك تمويل المعدات وتسهيلات القروض المتجددة وتمويل المستحقات. توضح الأدبيات الأكاديمية كيف أن تمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة من الوصول إلى قنوات تمويل خالية من المتاعب له تأثير إيجابي متعدد الجوانب مع آثار مضاعفة على النشاط الاقتصادي. أشار تقرير أعده صندوق النقد الدولي لما قبل الجائحة إلى أن زيادة وصول الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى التمويل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى مستوى متوسط يمكن مقارنته بنظيراتها في جميع الاقتصادات الناشئة من شأنه أن يرفع النمو السنوي بنسبة 1%، ما قد يؤدي إلى إضافة 8 ملايين وظيفة في العالم العربي بحلول عام 2025.
ومع ذلك، فإن التركيز على تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة من البنوك الخاصة لا يعمل في الفراغ. فالائتمان الممنوح للشركات الصغيرة والمتوسطة يؤدي إلى النمو الاقتصادي من خلال الفوائد التي تأتي من منظومة سليمة للشركات الصغيرة والمتوسطة ومن تماشي هذا النهج مع أهداف التنمية الاقتصادية الوطنية والدولية على حد سواء. في هذا السياق، يعزز عمل البنوك الخاصة مع الشركات الصغيرة والمتوسطة أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، وهي مجموعة من 17 هدفا توفر إطارا عالميا للسلام والازدهار المشترك. قد يتقاطع نهج المؤسسات المالية الرائدة في تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة مع ثلاثة من هذه الأهداف، ما يدل على الترابط وأهمية القطاع. يحدد الهدف الثامن أهمية الحصول على العمل اللائق والنمو الاقتصادي، وكلاهما يتحقق عندما تخلق الشركات الصغيرة والمتوسطة فرص العمل. تعمل الشركات الصغيرة والمتوسطة أيضا على تمكين الصناعة والابتكار والبنية التحتية - الهدف التاسع - والتي هي بطبيعتها مكونات أساسية للاقتصادات الوطنية. أخيرا، يركز الهدف العاشر على الحد من عدم المساواة، والذي يتحقق عندما تقوم الشركات الصغيرة والمتوسطة بزيادة دخل القوى العاملة الخاصة بها.
ومن الأمثلة الأخرى على الموائمة بين تمويل البنوك الخاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة وبين أهداف النمو الاقتصادي، شجع البنك المركزي المصري البنوك على توسيع الخدمات المالية الموجهة إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة، وزيادة حصة القطاع إلى 25% من إجمالي التمويل المقدم من البنوك بحلول نهاية العام الجاري. وحث البنك المركزي البنوك الخاصة والحكومية على تأسيس وحدات خاصة لتقديم الخدمات المالية إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة. وبدافع من استراتيجيات استدامة الشركات والتركيز على دعم الأهداف الوطنية، يجب على البنوك إيجاد وسائل لدعم استراتيجيات التنمية الاقتصادية للبنوك المركزية من خلال نشر مبادرات تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة مثل توجيه الائتمان إلى الشركات التي يقل حجم مبيعاتها عن 50 مليون جنيه مصري واستهداف شركات التصنيع.
تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة ركيزة أساسية لمستقبل المجتمع
يعد قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة الصحي مكونا حيويا للنمو الشامل وخلق فرص العمل في مختلف المناطق والقطاعات، بما في ذلك العمال ذوي المهارات المنخفضة. يوفر القطاع فرصا لتحسين المهارات ويدعم وصول الموظفين إلى الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية. كان التركيز على الشركات الصغيرة والمتوسطة أحد الأولويات الوطنية لمصر منذ إطلاق رؤية 2030 لاستراتيجية التنمية المستدامة، وهو أيضا عنصر أساسي في أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة. تشكل الشركات الصغيرة والمتوسطة ركيزة أساسية لكلتا المبادرتين وتمثل أصحاب المصلحة عبر الاقتصاد الذين يمكنهم تسريع التقدم نحو تحقيق هذه الرؤى.
لتحفيز نمو قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة في مصر، أطلق بنك المشرق برامج قروض للشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة في القطاعات الأكثر تضررا، والتي تشمل الأغذية والمشروبات، والمواد الكيميائية والبلاستيكية والمطاط، وطباعة الورق والتغليف، والمستحضرات الصيدلانية والمعدات الطبية، وتصنيع الأجهزة الكهربائية.
نما دور بنك المشرق في تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة في مصر بمرور الوقت ليصل إلى 1.53 مليار جنيه في عام 2021. واستمر الاتجاه الإيجابي في عام 2022 ليبلغ 2.43 مليار جنيه. يقوم المشرق من خلال خدمات التمويل المختلفة بتوسيع مشاركته في قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة في مصر وتقديم الخبرة الجغرافية في سوق الديون للمساعدة في تحقيق أهداف النمو لعملاء هذا القطاع.
أحد الأمثلة على ذلك، مصنع في صعيد مصر ينشط في مجال تصنيع المنتجات الكهربائية مثل أجهزة التحكم، والمولدات. تأسست الشركة في عام 2017 كشركة شخص واحد برأس مال مدفوع قدره 2.5 مليون جنيه. وللاستفادة من نجاحها المبدئي في هذا المجال، أطلقت الشركة خطط نمو طموحة لإضافة قدرة تصنيعية جديدة في مصر. منح المشرق الشركة قرض متوسط الأجل بقيمة مليوني جنيه لمدة 36 شهرا، ما مكن الشركة من تسريع خطط النمو والمساهمة بشكل مباشر في التنمية الاقتصادية للبلاد وخلق فرص العمل.
توضح هذه الأمثلة كيف يمكن للجهود المشتركة من قبل المقرضين أن تمهد الطريق للشركات الصغيرة والمتوسطة لتنمو بشكل عضوي ومستدام. وبهذه الطريقة، تصبح هذه الشركات حافزا مهما لتحقيق النمو الاقتصادي وأهداف التنمية. ومع اتجاه الحكومات والمؤسسات العامة لتغيير سياساتها التنظيمية تدريجيا وإطلاق مبادرات موجهة لتسريع نمو هذه الأعمال، لا يوجد وقت أفضل من الوقت الحالي للبنوك لتكثيف عروضها الائتمانية وسد فجوة التمويل للشركات الصغيرة والمتوسطة في المنطقة. في المشرق، نحن ملتزمون بالقيام بدورنا لتحقيق هذه الأهداف، لأننا نؤمن بأن التنمية المستدامة هي السبيل إلى مستقبل مستدام ومسؤول اجتماعيا.
بقلم أحمد مبارك (لينكد إن) رئيس قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة في بنك المشرق مصر