الرئيس الجديد لقطاع الاستثمار في صندوق مصر السيادي، عبد الله الإبياري: غيرت جائحة “كوفيد-19” جميع الحسابات بالنسبة للدول والمستثمرين على حد سواء، إذ اضطر الكثير منهم إلى الإسراع في تعديل خطط الاستثمار طويلة وقصيرة المدى، من أجل البقاء. ومصر شأنها شأن سائر الدول في هذا. ورغم أن القلق بشأن الاستثمارات قصيرة الأجل ضروري، إلا أنه من المهم بنفس القدر ألا تغيب عن أذهاننا الأهداف طويلة الأجل التي ستجعلنا في وضع أفضل للاستفادة من التعافي. وهذا بالضبط ما يأمل صندوق مصر السيادي في القيام به، وهو ما يتجلى في الصفقات التي أعلن عنها. وكان الصندوق قد وقع الشهر الماضي مذكرة تفاهم مع شركة إدارة الاستثمارات كونكورد إنترناشونال إنفستمنتس ومقرها نيويورك، لتأسيس كيان مشترك لإدارة صندوق متخصص في قطاع الرعاية الصحية يستثمر بشكل أساسي في مصر والشرق الأوسط وأفريقيا، برأسمال مبدئي يبلغ 300 مليون دولار، فيما أبدى اهتمامه أيضا بالقطاعات الحيوية مثل الخدمات اللوجستية والنقل والطاقة المتجددة والتصنيع من خلال صناديق فرعية تابعة له . ويحقق هذا بدوره التوازن مع الصفقات طويلة الأجل في القطاعات التي تراجع أداؤها وتضررت بشدة جراء الجائحة، ومن بينها السياحة مع تطوير منطقة “باب العزب” الأثرية بقلعة صلاح الدين الأيوبي. ومع تنامي دور صندوق مصر السيادي في تحقيق هذا التوازن والذي أصبح أكثر أهمية خلال الأزمة، كان من الضروري اختيار من يتولى قيادة قطاع الاستثمار بعناية.
وربما تذكرون عبد الله الإبياري من الفترة التي قضاها في شركة القلعة القابضة. إنه ليس منجما مثل نوستراداموس على الرغم من أننا نعيش في عصر التنجيم. لكنه شخص لديه خبرة في الاستثمار المباشر وموازنة المخاطر طويلة الأجل والمكاسب، إذ انضم للقلعة منذ زمن طويل، بعد أن عمل في قطاع الترويج وتغطية الاكتتابات في ميريل لينش.
وفي أول مقابلة حصرية منذ توليه منصبه في الصندوق السيادي، يستعرض الإبياري دور الصندوق خلال أزمة “كوفيد-19”، ويطلعنا على أفضل الطرق لاجتياز الأزمة ووضع مصر على طريق التعافي. كما سيطلعنا على مستجدات استراتيجية الصندوق وموقف الصفقات الرئيسية، وتصوره لنموذج الاستثمار المثالي وما يريده المستثمرون من مصر في الوقت الحالي.
وفيما يلي مقتطفات محررة من المقابلة:
ما هو دور صندوق مصر السيادي خلال الأزمة؟ بشكل عام، هدف الصندوق هو تعزيز الاستثمار في مصر وتعظيم قيمة أصول القطاع العام للأجيال القادمة. في السيناريو المثالي، يتم تكوين تحالف من المستثمرين المحليين والإقليميين والدوليين، يقدم بعضهم خبرة تشغيلية ومعرفة تقنية محددة، لتوحيد قواهم مع الصندوق لتجديد أو إضافة قيمة إلى أصول القطاع العام. ربما تؤدي تلك الشراكة إلى صفقة ناجحة مع عوائد سخية من للمستثمرين والتنمية المستدامة ونقل المعرفة والخبرة الإدارية للاقتصاد المصري، وفق الإبياري. وتابع: “هذا السيناريو يحقق كل تطلعاتي الكبيرة”.
أدت جائحة “كوفيد-19” إلى إعادة التركيز على الرعاية الصحية وقطاع الأغذية والأمن الغذائي، واللوجستيات والبنية التحتية خلال فترة الأزمة. وقد أعلن الصندوق بالفعل نيته للقيام بذلك، وفق الإبياري. وتابع: “عالميا، أظهر الوباء الحاجة إلى المزيد من الاستثمارات في الرعاية الصحية، وأعتقد أن مصر ستستفيد من ذلك”. وأظهرت الجائحة أيضا أهمية الأمن الغذائي، ويعد تأمين سلاسل توريد قوية وغير دون انقطاع جزءا منه. ويؤكد الصندوق على الشراكات والمشروعات الاستثمارية التي تستهدف هذه القطاعات، وأطلقنا صندوقا للرعاية الصحية، وندرس تأسيس مستودعات طبية استراتيجية، ونخطط لاستثمارات أخرى سيجري الإعلان عنها في الوقت المناسب.
لكن إضفاء قيمة طويلة المدى يتطلب نظرة مستقبلية طويلة الأجل للاستثمار، لذلك لم نستبعد المجالات الرئيسية التي تضررت بشدة مثل السياحة. الاستثمار المباشر كوسيلة لها أفق استثماري يتراوح بين 7 إلى 10 سنوات، لكن صندوق مصر السيادي لديه نظرة على مدى أبعد من ذلك، وفق الإبياري. وأضاف “نحن بحاجة إلى اتخاذ القرارات الاستثمارية الأساسية الصحيحة، وليس بناء على الحالات الاستثنائية أو وضعنا في دورة الأعمال”. السياحة والمشروعات العقارية المتخصصة وإدارة المنشآت الفندقية كلها قطاعات تتمتع فيها مصر بميزة استراتيجية، لذلك من المهم مواصلة الاستثمار فيها، حتى لو تضررت بشكل مؤقت من “كوفيد-19”. لذا فإن عمليات التطوير مثل مشروع باب العزب الذي أعلن عنه مؤخرا أو تطوير مجمع التحرير هي مشروعات طويلة الأجل تستغرق سنوات وتضيف في النهاية قيمة مضافة للاقتصاد المصري على نحو مستدام.
نتطلع أيضا إلى جني ثمار الاستثمارات السابقة طويلة الأجل التي تجذب اهتمام المستثمرين. ساهمت الاستثمارات الحكومية في مشاريع البنية التحتية منذ 2016 إلى الآن في بناء الاقتصاد المصري ولذلك تواصل استقطاب المستثمرين. ويقول الإبياري إن مشاريع مثل محطات الكهرباء المصرية الثلاث التي بنتها شركة سيمنس الألمانية، وبناء محطات تحلية ومعالجة مياه الصرف الصحي هي مشاريع كبرى ومبادرات ناجحة تجذب اهتمام المستثمرين المحليين والإقليميين والدوليين. وأضاف: “هذا هو الوقت المناسب لجني المال من تلك المشروعات”.
لا تزال خطط الصندوق لبيع حصة من محطات سيمنس الثلاث، والإدراج المحتمل لشركات مملوكة للقوات المسلحة في البورصة قائمة، لكن التفاصيل محدودة. وقال الإبياري إن جميعها تمضي قدما، ولذلك هناك حد لحجم المعلومات التي يمكن الكشف عنها. وأبدى المستثمرون في أكثر من مرة اهتمامهم بمحطات سيمنس ومن المتوقع إجراء مناقشات مع المستثمرين بشأن شراء أسهم في الشركات المملوكة للجيش “في المستقبل القريب جدا”. وجرى التوقيع على اتفاقية تطوير باب العزب مطلع الشهر الجاري، والآن تطوير الخطط وهيكل الاستثمار هو الأولوية، قبل اختيار المستثمرين المناسبين ووضع الميزانية، بحسب الإبياري.
يجب أن يتوقع شركاء الصندوق السيادي عوائد مثل عوائد القطاع الخاص، حسبما يقول الإبياري، ويجب عليهم أيضا أن يتوقعوا عوائد على الاستثمار تتناسب مع أداء السوق، لا سيما مع تراجع المخاطر في مصر على المدى الطويل. وأشار الإبياري إلى أنه يجب قياس عائد الاستثمار من الصندوق مقابل دورة حياته والتي تتراوح بين 7 إلى 10 سنوات. وبفضل التعويم، وبرنامج صندوق النقد الدولي، وتقليص الدعم وغيرها من الإجراءات، اتخذت مصر خطوات مهمة لتحسين الميزانية وما زالت العوائد المعدلة مع حساب درجة المخاطر في انخفاض. يساعد كل ذلك في جعل مناخ الاستثمار في مصر أكثر جاذبية.
التركيز الحالي للصندوق لرأس المال والموارد على قطاعات محددة، بالإضافة إلى الحوكمة البيئية والاجتماعية تتماشى مع أولويات المستثمرين على الصعيد العالمي. وأكد الإبياري أن التنمية المستدامة ومعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات للمشروعات، لا تعني بالضرورة أنك يجب أن تتوقع عوائد أقل من التي يستهدفها القطاع الخاص.
ما الذي يساعد أيضا؟ جرى تصميم الصندوق ليكون في مرونة كيانات القطاع الخاص. قال الإبياري إن صندوق مصر السيادي أنشئ للعمل وتنفيذ الصفقات مثل شركات القطاع الخاص، بما يعني أنه يتمتع بالمرونة الكافية للتحرك بأقصى سرعة. ويتسم الأشخاص الذين يعملون بالصندوق بالديناميكية وسرعة الاستجابة وجميعهم يقفون صفا واحدا لتحقيق الأفضل لمصر ولديهم الرغبة في التصرف بسرعة.
أيا كان شكل التعافي يتعين على الصندوق السيادي أن يمهد الطريق له: من الصعب جدا التنبؤ بكل التعافي الذي قد نشهده سواء كان على شكل حرف V أو على حرف U أو W، وسيعتمد ذلك على الاتجاهات العالمية وتطورات الوباء، بحسب الإبياري. وكان صندوق النقد الدولي قد صرح بأن الاقتصادات المتقدمة والناشئة في حالة ركود متزامن خلال العام الجاري، وذلك لأول مرة منذ “الكساد الكبير”، وأصبح السؤال الأكثر إلحاحا يدور حول الدول من الذي سيتمكن من مواجهة العاصفة والارتداد أسرع من غيره. وأضاف الإبياري “الإصلاح الاقتصادي منذ عام 2014 وخطط الصفقات التي نقوم بتطويرها في مجالات متعددة كلها شهادة على مدى صلابة الاقتصاد المصري اليوم”. وعلى الرغم من أن هناك قائمة طويلة من الاستثمارات والشركاء المحتملين، فإنه من السهل نسبيا منح الأولوية لبعض الاستثمارات، ربما لتحقيق مكاسب قصيرة الأجل، وجعل استثمارات أخرى في مؤخرة الاهتمامات على حسب تقلبات السوق. وقال الإبياري “هذا ليس سباقا لمدة عام أو عامين، او حتى سباق لمدة 10 سنوات، إنه سباق أطول من ذلك بكثير”.
اضغط هنا لقراءة بقية المقابلة، حيث يتحدث الإبياري عن توقعاته على صعيد الاندماجات والاستحواذات وطروحات البورصة في الفترة المقبلة، ولماذا لا يعد الصندوق السيادي مزاحما للقطاع الخاص على الإطلاق.